الموجز

عبدالكريم الرازحيعبدالكريم الرازحي

سرقتني أميركا

مقالات

2020-09-15 22:40:35

في مثل هذا اليوم وقبل بضعة أشهر من أحداث 11 سبتمبر 2001 الدامية والحزينة، ذهبت مع الاخوة السفراء مصطفى نعمان سفير اليمن في كندا وعبدالله الاشطل سفيرنا في الأمم المتحدة وعبدالوهاب الحجري سفيرنا في واشنطن ومع الشهيد جار الله عمر والاخت ليزا، لتناول العشاء في مركز التجارة العالمي.

كان المطعم يقع في الدور ما بعد السبعين وعند وصولنا إلى مدخل البرج اعترضت إحدى الموظفات الحسناوات طريقي واوقفتني ولم تسمح لي بالدخول إلى المصعد.

لحظتها التفتُّ إلى الاخوة السفراء وقلت لهم وانا زعلان:
- مالها الجنية هذي ايش تشتي مني وليش توقفنا؟
في البداية اعتقدتْ باني متشعبط ولست منهم.

وفيما بعد حين عرفت بأني منهم ومعهم اعترضت على هيئتي وقالت بأنه من غير المسموح الصعود للمطعم بدون بدلة رسمية.

كانوا كلهم ببدلات رسمية وأنا بدون وكانت الملابس التي ارتديها متّسخة ومستفزة تثير الشبهات.

وعندما عرفتُ بأن المطعم الذي نحن بصدد الصعود اليه لتناول العشاء يشترط الدخول اليه ببدلة رسمية تذكرت فلوسي المسروقة وقلت:
- "يرجعوا فلوسي التي سرقوها وانا اخرج اشتري بدلة الآن".

كانت امريكا ليلة وصولي نيويورك قادما من ولاية فلوريدا قد سرقتني الفي جنيه استرليني وحوالي ستمائة دولار وكانت تلك أول مرة اسافر فيها إلى خارج اليمن ومعي هذا المبلغ.

ليلتها كان الجوع ينشب مخالبه في بطني وكانت امعائي تقرقر وتصدر اصواتا يسمعها الجميع بمن في ذلك الموظفة الحسناء التي لم تكن تعرف ماذا يعني الجوع ولا عمرها سمعت صوته، لكن الخوف من عدم السماح لي بالدخول كان يزيد طين جوعي بلّة.

كنت قد جعت في نيويورك بعد حادث السرقة جوعا لم اعرفه في حياتي.

وكنت كلما مررت بجوار مطعم سال لعابي ورحت افتش في جيوبي واعيد تفتيشها اعتقادا مني بان اللصوص الذين سرقوني ربما تركوا لي سهوا قيمة واحد سندويش، لكن يدي كانت تخرج بيضاء شاحبة وتكاد لشدة الجوع والبرد تخرج مشلولة.

كان السفراء الثلاثة يفاوضون الفتاة الحسناء كيما تسمح لي بدخول المطعم وكانت المفاوضات الجارية بينهم وبينها تشبه تلك المفاوضات التي تجريها بعض الدول المستقلة حديثا كيما يسمح لها بالانضمام إلى الأمم المتحدة.

كان المرحوم عبد الله الاشطل سفيرنا في الأمم المتحدة كبير المفاوضين ولانه كان دائم التردد على المطعم وكانت تعرفه فقد توصلا في النهاية إلى حل وهو ان تعيرني بدلة.

أدخلتني الفتاة الحسناء إلى غرفة واعطتني بدلة نظيفة لبستها وبدوت بها أكثر أناقة من كل السفراء.

وعندها صعدت معهم إلى المطعم وتناولت الذ وجبة عشاء في حياتي، بعدئذ وقد شبعت وارتويت وتعدل مزاجي القيت نظرة من شرفة المطعم في الدور السبعين على مدينة نيويورك التي سرقتني وقلت لها:
"انت ايتها المدينة التي لا قلب لها إنني اسامحك".

فبعد أن امتلأت معدتي بالطعام والشراب واشرقت في قلبي شمس النبيذ تبخر غضبي وحنقي من نيويورك ومعهما تبخرت كالأثير كل تلك المشاعر السلبية التي اعترتني تجاهها ولم يعد لها اثر..

لكن الفتاة الحسناء عند هبوطنا من المطعم اعترضتني ثانية وقلت للسفراء وأنا منزعج:
-ما لها هذي الجنية ما هو اللي تشتي مني؟
قالوا: تشتي البدلة.
في البداية لم استوعب الأمر..
وقلت بيني ونفسي: معقول امريكا الغنية والتي تعد أثرى دول العالم تريد استرداد بدلتها وهي التي سرقتني مبلغا يساوي قيمة أكثر من عشر بدلات جديدة!

ومن حنق خلعت البدلة وقلت للفتاة الحسناء وأنا اعيدها إليها:
-شليها يا جنية شلوك الجن.

* من صفحة الكاتب على الفيسبوك

-->