محاولة إقصاء البحسني.. تحركات رئاسية مفضوحة تخدم الأجندة الإخوانية

السياسية - منذ ساعة و 29 دقيقة
عدن، نيوزيمن، خاص:

تتسارع خلال الأسابيع الأخيرة التحركات داخل مؤسسة الرئاسة اليمنية، في مسار يرى فيه مراقبون محاولة ممنهجة لإقصاء عضو مجلس القيادة الرئاسي اللواء الركن فرج سالمين البحسني، عبر حملة سياسية وإعلامية منظمة، تستند إلى ذرائع واتهامات وُصفت بأنها مفبركة ومسيّسة، وتعكس حجم الانقسام داخل أعلى سلطة تنفيذية في البلاد.

وتشير مصادر سياسية مطلعة إلى أن الرئاسة، التي يُنظر إليها على نطاق واسع بأنها واقعة تحت هيمنة حزب الإصلاح (الإخوان المسلمين)، كثّفت من مساعيها لإعادة ترتيب المشهد داخل مجلس القيادة، بما يحدّ من حضور الأصوات الجنوبية المؤثرة، وفي مقدمتها البحسني، الذي يشغل في الوقت نفسه منصب نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي.

وتأتي هذه التحركات في سياق حساس، أعقب إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي حلّ نفسه عبر وفده المشارك في مشاورات الرياض، وهو ما اعتبرته أطراف إخوانية فرصة لمحاولة إضعاف الموقف الجنوبي داخل مؤسسات الشرعية، وإعادة إنتاج نفوذها السياسي والعسكري.

وبرغم أن اللواء البحسني يمر بوعكة صحية منذ أسابيع، ويتلقى العلاج في مستشفيات دولة الإمارات العربية المتحدة، إلا أن هذا الظرف الإنساني لم يمنع رئاسة الجمهورية من توظيف غيابه المؤقت سياسيًا، عبر تسريبات إعلامية نسبت إلى "مصدر في مكتب رئاسة الجمهورية"، زعمت أنه يتغيب عمدًا عن الرياض، أو يقف خلف محاولات تصعيد في محافظتي حضرموت والمهرة.

غير أن البحسني كان قد قطع الطريق على هذه الادعاءات في تصريحات واضحة، أكد فيها أنه أبلغ رسميًا رئيس مجلس القيادة الرئاسي وأعضاء المجلس، إضافة إلى قيادة التحالف العربي ممثلة بالمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، بظروفه الصحية، نافيًا بشكل قاطع أي ادعاءات حول منعه من السفر أو حضوره.

ووصف البحسني تلك المزاعم بأنها لا أساس لها من الصحة، معتبرًا أنها محاولة مكشوفة لتشويه مواقفه الوطنية، وتحميله مسؤولية توترات لا علاقة له بها.

وفي مقابل هذه الحملة، جدّد البحسني ترحيبه الكامل بدعوة المملكة العربية السعودية لعقد حوار جنوبي–جنوبي، مؤكدًا أن الحوار الصادق والمسؤول هو السبيل الأمثل لمعالجة القضايا، وتعزيز وحدة الصف، وتغليب مصلحة الوطن على الحسابات الضيقة.

وثمّن البحسني عاليًا الدور السعودي في رعاية الجهود السياسية، معتبرًا الدعوة امتدادًا طبيعيًا للعلاقات الأخوية والتاريخية بين البلدين، ومعبّرًا عن شكره لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، ووزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، على جهودهم في دعم استقرار اليمن ورأب الصدع.

ورغم وضوح هذه المواقف، عادت رئاسة الجمهورية مؤخرًا لتصعيد استهدافها للبحسني، على خلفية تصريحاته التي انتقد فيها ما وصفه بـالقرارات الأحادية الصادرة عن رئيس مجلس القيادة رشاد العليمي، معتبرًا أنها لا تعكس توافقًا داخل المجلس، ولا تراعي تعقيدات الواقع السياسي والعسكري، خصوصًا في المحافظات الجنوبية.

وسارعت الرئاسة، عبر مصدر رسمي، إلى اتهام البحسني بالوقوف ضد "القرارات السيادية"، وفي مقدمتها ملف توحيد القوات العسكرية والأمنية تحت وزارتي الدفاع والداخلية، وفقًا لاتفاق الرياض وإعلان نقل السلطة، معتبرة تصريحاته خروجًا عن مبدأ المسؤولية الجماعية.

كما اتهم المصدر البحسني بإرسال رسائل سلبية عبر التشكيك في رعاية المملكة للحوار الجنوبي، واعتبر أن دعوته لمنح الجنوبيين مساحة للتشاور خارج الرياض تتعارض مع المرجعيات الحاكمة للمرحلة الانتقالية.

ويرى محللون أن هذه الاتهامات لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من تصفية الحسابات السياسية، ومحاولة تحجيم الأصوات التي ترفض فرض حلول فوقية، أو إعادة تدوير قوى فشلت في إدارة المشهد خلال السنوات الماضية.

ويشير هؤلاء إلى أن تحميل البحسني مسؤولية مواقف شهدتها حضرموت والمهرة، أو اتهامه بالتساهل مع "التمرد"، يفتقر إلى الوقائع، ويأتي ضمن خطاب سياسي يهدف إلى شيطنته، تمهيدًا لإقصائه من المشهد.

في المقابل، حظيت تصريحات البحسني الأخيرة بتفاعل واسع في الأوساط الجنوبية والسياسية، حيث أكد أن المجلس الانتقالي الجنوبي نجح في توحيد الجنوب سياسيًا وعسكريًا، وأسهم في خلق حالة جامعة حافظت على الأمن والاستقرار، محذرًا من أن أي محاولة لإعلان حل المجلس من الخارج ستؤدي إلى فراغ خطير ستملؤه قوى متطرفة، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين.

وأوضح أن مشاركته في مؤتمر الحوار الجنوبي–الجنوبي مشروطة بتوفر أجواء حقيقية وضمانات جدية، معتبرًا أن الدعوات الشكلية لا تخدم جوهر الحوار، وداعيًا إلى ضمان الحياد الكامل لإنجاح أي مسار سياسي.

وأكد البحسني أن تدويل القضية الجنوبية لم يعد خيارًا تصعيديًا، بل ضرورة لحماية ما تحقق في ملف مكافحة الإرهاب خلال عشر سنوات من التضحيات، مشددًا على أن المجتمع الدولي مطالب بالاعتراف بدور الجنوب كشريك أساسي في حفظ الأمن الإقليمي والدولي.

وحذّر، في تصريح نقلته وكالة فرانس برس، من أن الغضب الشعبي المتصاعد يجعل عودة بعض القيادات الحالية إلى عدن شبه مستحيلة، مؤكدًا أن تجاهل هذا الواقع سيقود إلى انفجار سياسي واجتماعي بدلًا من تحقيق الاستقرار.

كما أشار إلى صعوبة توحيد القوات العسكرية دون مراعاة خصوصيات التشكيلات الجنوبية ومكتسباتها، مؤكدًا أن الدور الأبرز في مكافحة الإرهاب كان لدولة الإمارات العربية المتحدة، وأن خروجها من المشهد شكّل خسارة كبيرة للأمن والاستقرار.

ويخلص مراقبون إلى أن استهداف البحسني يعكس أزمة عميقة داخل مجلس القيادة الرئاسي، ويكشف صراعًا بين مشروع يسعى لفرض مركزية القرار بالقوة، وآخر يدعو إلى الشراكة والتوافق واحترام الخصوصيات السياسية والجغرافية.

ويحذر هؤلاء من أن المضي في سياسة الإقصاء سيؤدي إلى تعميق الانقسام، وتقويض ما تبقى من ثقة داخل مؤسسات الشرعية، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى خطاب جامع، لا إلى صراعات تصفية الحسابات.