شركات شحن عملاقة تختبر أمن البحر الأحمر بعودة حذرة

السياسية - منذ ساعة و 57 دقيقة
الحديدة، نيوزيمن:

رغم المؤشرات التي توحي بعودة تدريجية لحركة الشحن عبر البحر الأحمر، إلا أن هذه العودة لا تزال محكومة بالحذر والاختبار أكثر من كونها استعادة كاملة للثقة، في ظل بيئة أمنية هشة تتأثر بتقلبات الإقليم واحتمالات تصعيد جديد من قبل ميليشيا الحوثي، التي لوّحت بتوسيع عملياتها البحرية هذه المرة نصرةً لإيران في حال تعرضها لضربة أمريكية، ما يعيد الممر الملاحي الأهم عالميًا إلى دائرة الخطر.

وأعلنت مبادرة «جيميني كوبيرشن»، الشراكة التشغيلية بين شركتي ميرسك وهاباج-لويد، عن عودة خدمة الشحن ME-11 لعبور البحر الأحمر، بحسب بيان صدر مؤخرًا عن شركة ميرسك، في خطوة تعكس محاولة محسوبة لإعادة فتح أحد أهم شرايين التجارة العالمية بعد شهور من التعطيل القسري.

وتُعد السفن التي ستعبر ضمن هذه الخدمة الأكبر حجمًا التي تعود إلى قناة السويس منذ أكتوبر 2023، عندما دفعت الهجمات الحوثية المرتبطة بتطورات الحرب في غزة إلى انسحاب واسع لشركات الشحن وتحويل مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح، ما تسبب بارتفاع التكاليف، وإرباك سلاسل الإمداد، وزيادة زمن الشحن بشكل غير مسبوق.

وتأتي هذه العودة بعد أسبوع واحد فقط من تراجع شركات شحن كبرى أخرى عن قرارات مماثلة، عقب تجدّد تهديدات الحوثيين باستهداف السفن التجارية، في ظل تصاعد التوتر بين طهران وواشنطن، وهو ما يعكس تذبذبًا واضحًا في قرارات السوق البحرية بين متطلبات الاقتصاد وحسابات الأمن.

وبحسب إعلان «جيميني كوبيرشن»، تشمل السفن التي سيُعاد توجيهها عبر البحر الأحمر كلًا من «ألبرت»، «هانوي»، «ألكسندرا»، «هيوستن»، «أستريد»، «كليفلاند»، «هيريرا»، «هامبورغ»، «أنجيليا»، و«هواشو»، وجميعها تدار من قبل شركة ميرسك وتحمل شحنات لصالح «هاباج-لويد»، على أن تغادر تباعًا خلال الفترة الممتدة بين 6 فبراير و5 مارس.

وأوضحت ميرسك أن هذه الخطوة ستؤدي إلى تحسين ملحوظ في أزمنة العبور لبعض الخطوط، تتراوح بين 7 و19 يومًا، مقارنة بالمسارات الطويلة حول رأس الرجاء الصالح، في مكسب لوجستي مهم لشركات الشحن والعملاء، لكنه لا يخلو من مخاطر أمنية ما زالت قائمة.

وفي رسالة موجهة لأطراف المصلحة، شددت ميرسك على ضرورة أن يقوم العملاء بمراجعة حجوزاتهم والتأكد من توفر تغطية تأمينية كافية للشحنات العابرة للمنطقة، في إشارة صريحة إلى أن العودة لا تعني زوال المخاطر، بل نقلها جزئيًا من مستوى القرار الاستراتيجي إلى مستوى إدارة المخاطر التجارية.

من جهتها، رأت إيميلي ستاوسبول، المحللة البارزة في شركة «زينيتا» للشحن، أن إعلان «جيميني» يعكس تنسيقًا استراتيجيًا واضحًا بين ميرسك وهاباج-لويد في التعامل مع البحر الأحمر، مرجحة أن تسهم هذه العودة في تخفيف الضغوط على أسعار الشحن إذا استمرت دون تصعيد أمني كبير.

وأوضحت ستاوسبول أن اختيار إعادة السفن الكبيرة تحديدًا يحمل دلالتين أساسيتين، الأولى أن السفن الأكبر تعني شحنات أكثر ومخاطر أعلى في حال التعرض لهجوم، والثانية أن هذه الخطوة تتيح سعة نقل تصل إلى 31 ألف حاوية قياسية (TEU) عبر الالتفاف الكامل من قناة السويس بدلًا من رأس الرجاء الصالح، ما يقلّص زمن العبور بنحو أسبوعين، وقد يصل إجمالي التوفير إلى نحو 70 يومًا في بعض الرحلات.

ورغم هذه المؤشرات الاقتصادية الإيجابية، يرى مراقبون أن العودة الحالية أقرب إلى اختبار ميداني لمدى قدرة السوق على التعايش مع المخاطر، وليس إعلانًا عن استقرار حقيقي، في ظل استمرار الميليشيا الحوثية في ربط أمن البحر الأحمر بصراعات إقليمية تتجاوز اليمن، وتحويل الممر الملاحي الدولي إلى ورقة ضغط سياسية وعسكرية مفتوحة الاحتمالات.

وبين حسابات الربح والخسارة، تبقى حركة الشحن عبر البحر الأحمر رهينة تطورات أمنية غير قابلة للتنبؤ، ما يجعل أي عودة—even إن بدت واعدة—مشروطة بلحظة التصعيد القادمة، لا بواقع الاستقرار الحالي.