سمير رشاد اليوسفي

سمير رشاد اليوسفي

تابعنى على

دولة الزنداني

منذ 3 ساعات و 30 دقيقة

كغيري من اليمنيين، تابعتُ وقائع “المخاض” الحكومي الذي استمر اثنين وعشرين يومًا، وانتهى بالإعلان عن حكومة جديدة برئاسة الدكتور شائع الزنداني، وهو رجل أعرفه من عمله الدبلوماسي فقط، وأعرف فيه هدوء الطبع ورجاحة العقل. أهنئه من القلب وأهنئ زملاءه الوزراء، مع رجاء بأن تكون حقائبهم أخف من هموم اليمنيين؛ فالحِمل ثقيل، و“الجمَال” غائب.

تضم التشكيلة خمسة وثلاثين اسمًا، وهو رقم يجعل هذه الحكومة ثاني أكبر حكومة في تاريخ الجمهورية بعد حكومة الوحدة الأولى عام 1990. ويذكّرنا هذا العدد بحكومات الوحدة الوطنية في لبنان، مما يثير تساؤلاً حول مدى ضرورة هذا الحجم. آمل ألا يكون الأمر مجرد “تكملة عدد” لإرضاء الخواطر؛ فالبلاد لا تحتمل مزيدًا من “الوزراء للوجاهة”، بل تحتاج إلى مسئولين يحملون “عُدّة الشغل” على أكتافهم.

أُطلق على التشكيلة وسم #حكومة_الكفاءات_الوطنية، وهو وصف ينطبق -للأمانة- على معظم الأسماء التي أعرفها في هذه القائمة. لكن، دعونا نرى كيف توزعت هذه الكفاءات على أرض الواقع السياسي المعقد؛ فوفقًا لتحليلات متداولة، جاء توزيع الحصص كأنه معادلة رياضية: تيار واحد وحلفاؤه نالوا عشر حقائب، والاشتراكي خمسًا، والمؤتمر أربعًا، والإصلاح ثلاثًا، فيما تمثّل التيار السلفي بوزير، وحاز المكتب السياسي مقعداً، وآلت حقيبة للناصري، إضافة إلى خمسة وزراء مستقلين. هذه قسمة رقمية تذكّر بحكايات جحا، وتدفع إلى التساؤل: هل جرى الاختيار بالكفاءة أم بـ“الكوتا”؟

وجود ثلاث نساء في الحكومة خطوة تُحسب لرئيس مجلس القيادة. غير أن العبرة ليست في العدد ولا في النوع. مارغريت تاتشر، “المرأة الحديدية”، لم تحكم بريطانيا بالنعومة، بل بالصلابة. السياسة لا تعترف بالجنس، بل بالقدرة على الإنجاز.

في وزارة الإعلام، يعود الزميل العزيز معمر الإرياني مجددًا. وهنا نحتاج للتذكير أننا لم نعد في زمن الحرب الباردة حين كانت إذاعة “صوت العرب” تهز عروشًا. اليوم تغيّرت المعركة الإعلامية؛ لم تعد في الأثير، بل على “تيك توك”. ومن نواجههم ليسوا إذاعة معادية، بل جيوش من الذباب الحوثي في وسائل التواصل الرقمي، و“ميم” ساخر من شاب “خلقه طالع” لا يجد كهرباء ليشحن هاتفه. المهمة هنا هي الأصعب: محاولة ضبط الإيقاع في زمن صار فيه كل مواطن يمني إذاعة وفضائية متنقلة.

أما وزارتا الدفاع والداخلية، فتقعان على عاتق اللواء طاهر العقيلي والفريق إبراهيم حيدان. وهنا تنسب مقولة لنابليون إن “الجيوش تمشي على بطونها”. وجيوشنا اليوم، بعضها تمشي على فتات الرواتب، وشتات الولاءات. المهمة ليست فقط توجيه البندقية نحو العدو، بل إقناع حاملها بأن الوطن الذي يدافع عنه يمنحه راتبًا وكرامة، وأن بقاء صنعاء أسيرة ليس قدرًا محتومًا.

وفي المالية، يتولى مروان بن غانم حقيبة ثقيلة. نتذكر نزاهة الأب “فرج” وصرامته، ونتذكر أن ثروة الأمم تُبنى بالعمل. نحن ما زلنا نبحث عن الثروة في برميل نفط، أو منحة شقيقة، أو قرض دولي. التحدي الحقيقي إقناع المحافظات بتوريد الإيرادات إلى البنك المركزي، وإقناع الناس بأن دفع الضرائب ليس “جباية”، بل عقد ثقة. المشكلة أن الخدمة غائبة، والثقة — الله يرحمها — والمواطن يشعر أن ما يدفعه يذهب “في خبر كان”.

وفي الكهرباء والمياه والنقل، يبدأ الاحتكاك اليومي بالمواطن المعجون بالدم والعرق والدموع. هؤلاء الوزراء سيواجهون دعاءه كل صباح. فهو لا يريد معجزة، بل “لمبة” تضيء لولده كي يذاكر، و“صنبور ماء” لا يجف، و“شارعًا” لا يصيب سيارته بإعاقة دائمة.

وفي الثقافة والسياحة، يتولى مطيع دماج حقيبة يُفترض أن تجمع بين الذاكرة والاقتصاد. الثقافة ليست مهرجانات شعرية، والسياحة ليست صورًا قديمة. لدينا تاريخ يمكن أن يصبح مستقبلًا، وسقطرى أجمل من المالديف، لو عرفنا كيف نُحسن تقديمها.

أما وزراء الدولة، ومن بينهم الصديق الدكتور عبدالله أبو حورية لشؤون مجلسي النواب والشورى، فمهمتهم التنسيق بين حكومة ومجلسين بالكاد يجتمعان. آمل أن ينجح في جمعهما، ولو على “جروب واتساب” فعّال. والبقية مدعوون لإثبات أنهم “أعوان” لا “فراعنة”، وقيمة مضافة لا مجرد أرقام في كشف.

ختامًا، يعود الحديث إلى الدكتور شائع الزنداني، الذي يقود حكومة تشكّلت في سياق بالغ التعقيد، بعد أحداث ديسمبر ويناير التي كادت تعصف بالجميع. ولعله يتذكر ما قيل إن “90% من السياسة مجرد صمود”. غير أن المطلوب هنا أكثر من الصمود؛ المطلوب أثر ملموس، في ظروف شبه مستحيلة، يثبت أن هذه الحكومة ليست كغيرها.

“سابر، سابر، ولا به شي سَبَر”.

أهنئكم مرة أخرى، وأدعو لكم بالتوفيق؛ فنجاحكم ليس نجاحًا شخصيًا، بل بصيص أمل لبلد يستحق أفضل بكثير مما هو فيه.

والله من وراء القصد.

من صفحة الكاتب على إس