من الإنتاج إلى الذبح.. قرار حوثي يدمر مشروع الألبان في تهامة
المخا تهامة - منذ ساعة و 40 دقيقة
الحديدة، نيوزيمن:
لم يكن قرار ميليشيا الحوثي برفع الدعم عن منتجي الحليب في تهامة مجرد إجراء مالي عابر، بل مثّل تحولًا جذريًا يهدد واحدًا من أهم القطاعات الإنتاجية المحلية في الساحل الغربي لليمن، ويكشف عن مسار اقتصادي قائم على تهميش الإنتاج الوطني مقابل تكريس الاعتماد على الاستيراد، رغم الكلفة الباهظة التي تكبدها الاقتصاد اليمني خلال السنوات الماضية.
فبعد إخفاقها في السيطرة على مشروع الألبان المحلي، اتجهت الميليشيا إلى تفريغه من مضمونه اقتصاديًا عبر قرار التخلي التدريجي عن دعم منتجي الحليب، في وقت تشير فيه بيانات اقتصادية إلى أن استيراد بودرة الحليب استنزف أكثر من 1.15 مليار دولار من العملة الصعبة بين عامي 2019 و2023، وهو ما يضع القرار في سياق مغاير تمامًا لخطاب "الاكتفاء الذاتي" الذي تروّج له الجماعة.
وزارة المالية التابعة للحوثيين أقرت آلية زمنية لخفض الدعم، تبدأ بتحديد 60 ريالًا لكل لتر من الحليب المنتج محليًا في يناير 2026، ثم خفضه إلى 40 ريالًا في أبريل، و20 ريالًا في يوليو، وصولًا إلى الإلغاء الكامل في أكتوبر المقبل، ما يعني عمليًا سحب شبكة الأمان الأخيرة التي كانت تحافظ على استمرارية هذا القطاع.
هذا التوجه يهدد بشكل مباشر أكثر من 6300 مزارع في تهامة، يملكون نحو 20 ألف بقرة، وكان إنتاجهم اليومي يقدّر بنحو 110 آلاف لتر من الحليب، وهي أرقام تعكس حجم القطاع الذي بات اليوم مهددًا بالتفكك. ويقول مزارعون في محافظة الحديدة إن القرار أدى إلى اختلال ميزان الكلفة والعائد، ودفع الكثيرين إلى بيع أبقارهم بأسعار متدنية، بعد أن أصبحت نفقات الأعلاف والتربية تفوق العائد اليومي من الإنتاج.
وكان دعم الحوثيين لمنتجي الحليب يعتمد في السابق على إعادة توجيه الضرائب المفروضة على مصانع الألبان لصالح المنتجين عبر رفع سعر اللتر، غير أن هذا الترتيب ألغي مؤخرًا تحت مسمى "ترشيد النفقات"، في الوقت الذي توسعت فيه الجبايات غير الرسمية، ما فاقم من الضغوط الاقتصادية على المنتجين.
إلى جانب ذلك، ألغت الميليشيا نظام البيع المباشر بين المزارعين والمصانع في الحديدة، واستحدثت أكثر من 17 جمعية وسيطة، أصبحت حلقة إلزامية بين الطرفين، وهو ما اعتبره مختصون آلية جديدة لفرض الإتاوات والتحكم بالسوق، بدلًا من تنظيمه ودعم استقراره.
وفي مناشدات وُجهت إلى رئيس ما يسمى المجلس السياسي الحوثي مهدي المشاط، عبّر مزارعو تهامة عن استيائهم من اتفاق خفض دعم لتر الحليب البقري من 130 ريالًا إلى 80 ريالًا فقط، مؤكدين أن هذا الخفض أصاب الأسر المنتجة في الصميم، في حين بقي مستوردو بودرة الحليب، الذين يسيطرون على نحو 95% من السوق، خارج أي إجراءات تقشف أو تنظيم.
كما كشفت جمعيات عاملة في جمع الحليب أن الوعود بتوفير أعلاف مجانية لم تُنفذ، وأن تصدير "النخالة" إلى الخارج استمر، بل وارتفعت أسعارها من 3 آلاف إلى أكثر من 6 آلاف ريال، ما جعل شراءها أمرًا شبه مستحيل للأسر المنتجة. وأشارت إلى أن عددًا من المستثمرين تكبدوا خسائر كبيرة بعد دخولهم القطاع اعتمادًا على أسعار مستقرة، قبل أن تُقلب المعادلة بقرارات مفاجئة.
ويرى خبراء اقتصاديون أن القرار يمثل نقطة تحول سلبية في مستقبل قطاع الألبان بتهامة، إذ يقول الخبير علي التويتي إن دعم منتجي الحليب كان قد رفع الإنتاج من نحو 16 ألف لتر يوميًا إلى قرابة 160 ألف لتر، قبل أن تعود المؤشرات اليوم إلى الانحدار الحاد، ما يضع المزارعين أمام خيارين أحلاهما مر: بيع الأبقار أو الخروج من القطاع نهائيًا.
وبحسب هؤلاء الخبراء، فإن ما يجري لا يقتصر على خسارة نشاط اقتصادي، بل ينذر بتداعيات اجتماعية وإنسانية، حيث تعتمد آلاف الأسر على بيع الحليب كمصدر دخل أساسي، ومع انهيار هذا المورد، تتسع دائرة الفقر وتزداد هشاشة الأمن الغذائي في واحدة من أكثر مناطق اليمن احتياجًا، في وقت كان يفترض فيه حماية الإنتاج المحلي لا الدفع به نحو الاندثار.
>
