نشر الفوضى واستثمار التوترات.. استراتيجية الإخوان لإطالة أمد الحرب باليمن

السياسية - Saturday 10 January 2026 الساعة 09:22 am
عدن، نيوزيمن، خاص:

برزت خلال الأيام الأخيرة تحركات جماعة الإخوان المسلمين في اليمن على مستويات تتجاوز حدود البلاد، متزامنة مع نشاط سياسي وتنظيمي أوسع للتنظيم الدولي للجماعة. ويأتي هذا التحرك في وقت يشهد فيه المشهد اليمني توترًا متصاعدًا بين قيادة المجلس الرئاسي والمجلس الانتقالي الجنوبي، ما يجعل اليمن ساحة رئيسية لاستثمار الأزمات من قبل الجماعة.

ويتقاطع هذا النشاط مع الاجتماع الذي عقده التنظيم الدولي للإخوان في إسطنبول مطلع الأسبوع الجاري، والذي شكل محطة تنسيق مباشرة مع الفروع النشطة في ساحات النزاع، وعلى رأسها اليمن. بعد فقدانها الزخم السياسي وتفكك بنيتها التنظيمية، تتحرك الجماعة لإعادة تثبيت حضورها عبر بيئات الصراع، مستغلة التطورات السياسية والميدانية الأخيرة.

وكشفت مصادر مطلعة أن الاجتماع السري في إسطنبول الجمعة الماضي ضم قادة وفروع وشبكات تابعة للإخوان من عدة دول عربية، بالإضافة إلى هياكل تنظيمية مقيمة في أوروبا، بما فيها جبهة لندن بقيادة صلاح عبدالحق، رغم نفي الأخيرة حدوث مثل هذا التجمع. اللافت حضور ممثلين عن جبهة إسطنبول بقيادة محمود حسين، رغم أن مشاركتهم في اجتماعات التنظيم الدولي كانت معلقة، ما يشير إلى رغبة الجماعة في تجاوز الخلاف مرحليًا لاستغلال زخم الأحداث في اليمن.

الإخوان واستغلال أحداث حضرموت

وحذر محمد صالح باتيس، القائم بأعمال رئيس الهيئة التنفيذية للمجلس الانتقالي الجنوبي بحضرموت، في مقابلة خاصة مع "العين الإخبارية"، من أن الإخوان والتنظيمات الإرهابية مثل الحوثي والقاعدة هم المستفيدون الأكبر من القرارات الأخيرة لرئيس المجلس الرئاسي رشاد العليمي، معتبرًا أن تلك القرارات أعادت إحياء آمال الجماعة بالعودة إلى المشهد السياسي.

وخلال الأيام الماضية، ارتكبت القوات التابعة للإخوان تجاوزات جسيمة، تمثلت في سقوط ضحايا مدنيين، وقصف مرافق حيوية، وفرض حصار بري وإغلاق مطارات، منها مطارا سيئون وعدن، وفرض قيود مشددة على حركة المواطنين والمسافرين. واعتبر المجلس الانتقالي هذه الممارسات "ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية وخروج فاضح عن المواثيق والاتفاقيات الدولية".

اجتماع إسطنبول ركّز على التنسيق مع الفروع المحلية للإخوان في اليمن، وضبط إيقاع تحركاتها بما يخدم استمرار بقاء الجماعة فاعلة في ساحات النزاع. وفي هذا السياق، تحرك الإخوان من داخل سلطة العليمي مستخدمين الغطاء السياسي القائم، مستفيدين من حالة الاشتباك مع المجلس الانتقالي الجنوبي، بما يحافظ على هامش واسع من المناورة ويمنع تثبيت أي استقرار سياسي في الجنوب.

ويشير الخبراء إلى أن الجماعة تعتمد على العمل داخل الفوضى، مستفيدة من هشاشة السلطة والقوى المحلية، وتسعى لإبقاء المشهد اليمني مفتوحًا على التوتر، مع تعزيز نفوذها عبر أدوات محلية ترتبط بها، ما يسمح لها بإعادة تثبيت حضورها دون مواجهة مباشرة.

استراتيجية توزيع التهم

ويقول الكاتب والمحلل السياسي نبيل الصوفي إن جماعة الإخوان المسلمين وحلفاءها يعتمدون على استراتيجية توزيع التهم الجاهزة ضد خصومهم، بغض النظر عن الانتماءات أو المواقف السياسية، مؤكدًا أن هذه الأساليب جزء من محاولاتهم لإعادة تثبيت نفوذهم السياسي والميداني في اليمن.

وأضاف الصوفي أن الجماعة قادرة في اللحظة نفسها على اتهام أي طرف بالولاء لدول أو جهات متعددة، مثل الصين وأمريكا وإسرائيل، متى ما رغبت في تشويه صورته أو تبرير سيطرتها. وأشار إلى أن هذه الاتهامات تُعاد تدويرها بين الخصوم حتى وإن كانوا أعداء فيما بينهم، بما يعكس منهجية ممنهجة للتلاعب بالمشهد السياسي واستغلاله لتحقيق مصالح الجماعة.

وأوضح الصوفي أن من أبرز الأمثلة على ذلك ما يروجونه حول المقاومة الوطنية، حيث يتم تصويرها في آن واحد على أنها تدعم صنعاء، وتقف مع عدن، وموالية لإسرائيل، في تناقض واضح يهدف إلى إثارة الالتباس وتشويه الحقائق. وقال: "إذا أراد أحد الانتماء إلى الجماعة، تُعد هذه التهم كأنها باكج يتم توزيعه ذهابًا وإيابًا على خصومهم، أما إذا كنت تابعًا لهم، فكل هذه الاتهامات تُعتبر كاذبة ويتم تبرئة جانبك".

ووصف الصوفي أساليب الإخوان بأنها تعكس الانتهازية الكاملة والتلاعب بالمفاهيم: "لا أحد سواهم اليوم يمكن تسميتهم بأهل الكتاب، كتاب الغدر والعبث والعداء لله ولرسوله ولدينه… يلبسون الحق بالباطل ويُلَوِّنون ألسنتهم بما يخدم مصالحهم فقط".

وأكد الصوفي أن هذه الممارسات ليست مجرد أدوات سياسية، بل جزء من استراتيجية متكاملة للتأثير على المشهد اليمني، واستغلال أي توتر أو فراغ سياسي، بما يجعل الجماعة قادرة على فرض نفوذها عبر التضليل وتوزيع الاتهامات، وضمان استمرار دورها في المعادلات الإقليمية والمحلية على حد سواء.

الإخوان والعليمي والجنوب

يؤكد عضو هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي عبدالرؤوف زين السقاف، أن مقاربة المجلس تسعى إلى تحصين الجنوب وحماية منجزاته من مليشيات الحوثي والتنظيمات الإرهابية، والاعتماد على الحوار كوسيلة للحفاظ على الأمن والاستقرار. ويشير السقاف إلى أن المشاركة الجنوبية في الحوارات السياسية تسحب الذرائع من القوى الإخوانية التي تسعى لإعادة إنتاج نفسها من بوابة التوافق السياسي، وتثبت أن الجنوب حاضر كشريك فاعل في أي مسار سياسي مستقبلي.

وحذر السقاف من أن جماعة الإخوان تستغل أي فراغ سياسي أو ارتباك في مراكز القرار لضرب الاستقرار، مستغلين ضعف الخبرة السياسية لرئيس المجلس الرئاسي رشاد العليمي، مؤكداً أن الجماعة لا تؤمن بالدولة الوطنية ولا بسيادة الدول، وتعمل دائمًا كعامل هدم داخلي.

كما أشار السقاف إلى تغير تكتيكات الإخوان من المواجهة المباشرة إلى استثمار الخلافات السياسية لتعزيز نفوذهم، مؤكدًا أن التنظيم يسعى إلى إعادة تدوير نفسه من خلال تشكيل قوات ومكونات بأسماء متعددة، لتبدو جاهزة لملء أي فراغ أمني محتمل، خصوصًا عقب انسحاب بعض القوات الجنوبية من حضرموت والمهرة بعد نجاحها ضمن عملية "المستقبل الواعد".

ويرى الباحث أحمد كمال أن التحركات الأخيرة في اليمن جزء من استراتيجية الإخوان الإقليمية لتعويض خسائرهم المتراكمة، عبر الحفاظ على نقاط تماس نشطة تتيح لهم البقاء حاضرًا في الحسابات الإقليمية. ويضيف أن التنظيم الدولي يستخدم اجتماعات خارجية مثل اجتماع إسطنبول لضبط إيقاع التحركات المحلية ومنع خروجها عن الخط الذي يخدم مصالح الجماعة على المدى الإقليمي.

من جهته، يشير الباحث ريتشارد كولينز إلى أن اليمن يعيش حالة توتر مُدار تشارك في إنتاجها ثلاثة أطراف رئيسة: الحوثيون، الإخوان، ورشاد العليمي. ويؤكد أن الإخوان في اليمن لا يعملون كقوة معارضة أو حاكمة، بل كطرف يستفيد من غياب القرار الحاسم، مستخدمين مؤسسات رسمية كأدوات ضغط دون تحمّل مسؤولية مباشرة، ما يطيل أمد الصراع ويمنع إعادة تشكيل المشهد السياسي على أسس مستقرة.