علي حسين الضبيبي

علي حسين الضبيبي

تابعنى على

المخا.. حين تلوح ملامح الدولة في زمن الانهيار

منذ ساعة و 43 دقيقة

أستطيع أن أقول إنني من بين الصحفيين اليمنيين الذين التزموا التريث والهدوء على مدى سنوات الحرب في البلاد.

لم أنجرف لصالح طرفٍ ضد آخر، ثم إني أمضيت على مدى عشر سنوات أتلمس الأمور وأراقب هيجان الحرب وأهوالها بذهول، متنقلاً بين جهات وجغرافيات هذا البلد العريق الذي أصابته لعنة التمزّق.

ضاعت بلادنا!

.. وذاق كل فرد مرارة ماذا تعني كوارث انهيار الدول!

واليوم، أفلا تبكي قلوب اليمنيين ــ في لحظة تزيغ لها الأبصار ــ وهم يشاهدون المنطقة من حولهم، والإقليم مشتعلاً بالحرائق، بعد أن صرنا نضرب كفاً بكف: بلا دولة!

زرت مأرب والجوف مرتين في ذروة احتدام الحرب، وما طاوعت يدي أن تطيش ضمن الجوقة واحتشاداتها المشبّعة بالأموال، ثم عُدت إلى صنعاء بمواصلات اقترضتها من صديق.

وأتذكر عندما وصلت ليلاً كيف كان الظلام يغطي مدينة سام بن نوح ويخيم فوق آكامها، وحيث إن أصوات المدافع ليلتها كانت تدوي من نقيل بن غيلان وتُسمع إلى قلب "هبرة".

في صنعاء الحبيبة ينبغي التأمل كيف إن وضع الناس صار بائساً للغاية!

تعرضت لعروض وإغراءات وتلميحات خفيفة بالوعيد!

صبرت!

تحملت كل شيء، ولم أتسبب بضرر على أحد ــ بالكتابة أو غيرها ــ خارج سياقات غير منطقية (ويستحيل ذلك)، أينما ذهبت! ولطالما تحركت داخل هذه التقاطعات والخرائط وحيداً كالمسيح، متسلحاً بضمير صافٍ من العلل واحتقانات هذه السنين المدمرة.

أتسلح دوماً برضى الوالدين، وأتوكأ وأستعين بعلاقاتي الشخصية ضمن شعورٍ قوي يحتدم في صدري وروحي وعقلي: هذه أرضي، وهذا موطني.. الجميع أهلي وناسي.

الشعور الصادق الذي لا يخالجه ولا شعرة من الشك أو ارتباك المواقف!

ظروف صعبة عصفت بي حد أن شارفت على الهلاك مراراً. لكنني لم أندم على أي شيء، سوى على انهيار ما تراكم لليمن المحترب عبر العصور من مكاسب، ثم لما استوى كـ"دولة" انهار كل شيء بفعل حسابات وتبريرات ينقصها الوعي الضروري بفكر الدولة واشتراطاتها الموضوعية!

ذهبت إلى عدن أكثر من مرة، وطرت إلى القاهرة مراراً، ثم عُدت إلى بيتي مثل كل مرة أذوي.

عشر سنوات من الدوران داخل وطن لا تملؤه الدولة!

هذا الطواف في طول البلاد وعرضها أفضى في نهاية المطاف إلى "المخا":

رأيت الفرق شاسعاً، ووجدت ما يبحث عنه اليمنيون، ونصبت "خيمتي"!

يجب أن يكون المثقف شجاعاً في لحظات أساسية من التاريخ!

المساحة صغيرة.. لا بأس، لكن: هذه بروفة مصغرة لما يفترض تعميمه على مستوى النموذج في جميع جهات الشرعية ــ على الأقل!

في المخا إدارة وجيوش ببدلات وطنية وبريهات حمراء على رؤوس الجند!

الله الله.. ما أجمل الشرطة العسكرية!

(على الأصدقاء الذين لديهم ردود جاهزة من نوع: هذه فلوس الإمارات مثلاً، أن يكفّوا؛ لأنهم بذلك يسيئون إلى المملكة والأشقاء الذين دعموا الجميع بالغالي والنفيس منذ عشر سنوات: ماذا فعلت جميع الأطراف على صعيد الخدمات لصالح الناس المعذبين وسط كل هذه الظروف؟).

طرقات حديثة تخلق انطباعاً نفسياً مريحاً للوهلة الأولى، وخدمات عمومية خدمت الناس وخففت عليهم.

المياه إلى كل بيت، والكهرباء تنير المدينة وأريافها من أقاصي الخوخة إلى ركن باب المندب، إلى تخوم تعز المدينة الرائعة المدثرة جبالها الغربية بالغيوم.

مثير للدهشة كيف وما تحقق في المخا اعتماداً على كرم الأشقاء!

وحيث إن المطار شأن آخر، ومشاريع الحدائق والمدن السكنية التي بناها قائد "المقاومة الوطنية" للنازحين ولرجاله ومعاونيه، فضلاً عن الفنادق و"القناة" التي لا نظير لها بين وسائل الإعلام على مستوى الإدارة والحقوق والجودة.

لم أسمع يوماً حديثاً مناطقياً أو عنصرياً أو نبرة صوت متعالية: الناس من عموم الجهات ومناطق اليمن تسرب خلف أعمالها ليلاً أو نهاراً كالنحل.

علم اليمن يرفرف، وصباحاً ــ أيام الدوام ــ المدارس تصدح بالنشيد: رددي أيتها الدنيا نشيدي!

من عدن تنطلق السيارة باتجاه الغرب، وتمضي ساعتين ونصف بمحاذاة البحر في واحدة من أروع اللحظات التي لا يعكر صفوها سوى الطريق المكسرة.

ثم لما تقترب من مضيق "باب المندب" تستريح العجلات في رمشة عين، إذ صارت على الإسفلت ويستريح المسافر.

والمنظر ليس بعيداً، حيث يسلّم بحر العرب المهمة إلى البحر الأحمر، ويبدأ الساحل الغربي.

يا إلهي.. ما أجمل شطآننا ومياهنا، وماذا يخلق الإسفلت في النفس من ارتياح.

على امتداد الماء ترفل اليابسة في ثوب قشيب كأنها الفردوس: الطريق.

وعلى امتداد هذا الخط إلى مدينة المخا من عدن ــ جئت أو من تعز ــ لا أحد يبتز الناس.

تنطلق السيارة كالريح، والبحر يرافقك يساراً، وعندما تهدّئ السيارة عند أول نقطة عسكرية يظهر الجند ببدلات عسكرية "مشحوطين"، تقتبع رؤوسهم بالبريهات، كما لو أنك أمام نسخ خيالية قادمة من زمن الدولة!

ويختفي السؤال: من أين أنت؟

الطريق مسبلة.. على يسارك البحر، وعلى اليمين بين الفينة والأخرى، من بعيد، نوبات حراسة، والعلم يلوح للطريق وللبحر من على سطحها. هذا إذا كان الوضع نهاراً، أما في الليل فالشعور أكثر جمالاً وروعة؛ إذ يبدو السفر مع نسيم البحر ومتعة الإسفلت والأمان فوق كل وصف.

الله.. ما أجمل "البِريه" فوق جباه الجند، والطير مائلاً إلى اليسار يلمع مع الضوء في الساعة الواحدة والربع بعد منتصف الليل عند "رأس المندب".

ما هذا الاشتياق الرهيب والتوق إلى زمن الدولة وإلى كل ما ترمز إليه من تعبيرات!

الدولة فكرة حسية توجد في الذهن أولاً، ويمكن الوصول إلى إشارتها ودلالاتها العملية من خلال ما توحي إليه من ترميزات في الواقع!

لم أرَ رتباً على الأكتاف في المخا، وسمعت أن قائد "المقاومة الوطنية" منع تركيب الرتب على الأكتاف قبل استعادة العاصمة.

هذا وعي! والكثير من الناس يجهلون دلالاته المرتبطة بـ"الشرف العسكري" ومعناه.

من صفحة الكاتب على الفيسبوك