سمير رشاد اليوسفي

سمير رشاد اليوسفي

تابعنى على

من مطار المخا: قهوة لم تصل!

منذ ساعة و 38 دقيقة

اليوم، حاول التاريخ أن يقلع من المخا على متن طائرة متجهة إلى جدة. حاول أن يحمل معه حكاية مدينة كانت يوماً ما عاصمة العالم في فنجان قهوة، ثم غابت في ضباب النسيان، لتعود كمدرج يلامس السماء. لكن التاريخ، في بلادنا، غالباً ما يُمنع من الإقلاع.

عادت الطائرة أدراجها إلى جدة. لم تهبط في المخا. والسبب؟ ليس عطلاً فنياً، ولا سوء أحوال جوية. السبب هو أن الماضي لا يزال يرفض أن يترك الحاضر وشأنه. جاء التهديد من كهوف الماضي، من تلك البنادق التي لا تؤمن بالمطارات، بل بالخنادق؛ لا تؤمن بالجسور الجوية، بل بالمتاريس.

كانت المخا “مخون” في نقوش المسند، بوابة اليمن على العالم. الكل أرادها، من الأوسانيين إلى ذي نواس. وحين وصل البرتغاليون في القرن الخامس عشر، جاءوا “تجاراً بالمدافع”. واليوم، يبدو أن أحفادهم الفكريين ما زالوا بيننا، لا يرون في أي نافذة أمل إلا هدفاً مشروعاً لقذائفهم.

حين تبع العثمانيون البرتغاليين، جاءوا كجباة. وحين أتى محمد علي باشا، جاء كمحتكر. الكل مر من هنا، وكلهم خرج بالبن. وحدها المخا بقيت على الرف، حتى وصفها الرحالة الإيطالي سلفاتور أبونتي عام 1934 بأن فنارها قد انطفأ.

لكن التاريخ، مثل البحر، له مد وجزر. طائرة “اليمنية” التي حاولت الهبوط اليوم كانت بمثابة فنار جديد، أُشعل بإرادة الحياة. كان هذا المطار فعلاً سياسياً وأدبياً بامتياز. إعلاناً بأن الجغرافيا يمكن أن تنتصر على التاريخ، وأن الإرادة قادرة على هزيمة العزلة. لكن يبدو أن هزيمة العزلة تحتاج إلى أكثر من مدرج إسفلتي؛ تحتاج إلى هزيمة العقول المنغلقة.

كان من المفترض أن يقول هذا المطار لأبناء تعز – المحافظة التي تتنفس ثقافة وتختنق حصاراً – إن العالم على بعد رحلة جوية. لكن الرسالة التي وصلت اليوم كانت مختلفة. كانت تقول: حتى السماء فوقكم ليست لكم.

القصة أكبر من المطار. هناك مدن تُبنى، ومستشفيات تُشيّد، وطرقات تُعبد. كتابة تاريخ جديد بلغة الإسفلت والخرسانة. محاولة جريئة لـ “إعادة تموضع” اليمن على خريطة المستقبل. لكن، وكما حدث اليوم، كلما حاول اليمن أن يكتب سطراً جديداً، يأتي من يمزق الصفحة.

في الماضي، كان على التاجر الهولندي أن يسافر إلى صنعاء ليأخذ الإذن من “البكلربك” العثماني. اليوم، يبدو أن القرار لا يزال يُصنع في أماكن بعيدة، ليس في إسطنبول أو لندن، بل في كهوف صعدة، حيث تُتخذ القرارات بمنطق القرصان لا بمنطق الدولة.

حين عادت الطائرة إلى جدة، لم تكن تحمل ركاباً خائبين فقط. كانت تحمل رمزية أمة يُصر البعض على إبقائها سجينة. كانت تحمل رائحة بن لم يكتمل فواحه، وحكايات أجيال من التجار الذين جعلوا هذا الساحل جسراً، ليأتي اليوم من يريد أن يجعله جداراً. والأهم من كل ذلك، تحمل رسالة سياسية واضحة: اليمن، الذي كلما حاول أن يكتب سطره الخاص في قصة المنطقة، يأتي من يهدد بحرق الكتاب كله.

فنجان القهوة الذي كان من المفترض أن يُحتسى في جدة اليوم، لم يصل. 

مذاقه الآن… مرارة الانتظار.

من صفحة الكاتب على إكس