تراجع حوثي عن رسوم باب المندب.. مناورة جديدة لكسب الوقت
السياسية - منذ 42 دقيقة
صنعاء، نيوزيمن:
لا يبدو نفي مليشيا الحوثي اعتزامها فرض رسوم على السفن التجارية العابرة لمضيق باب المندب مجرد توضيح بشأن معلومات متداولة، بقدر ما يعكس، وفق قراءة سياسية، مراجعة تكتيكية فرضتها مخاوف من أن يؤدي التصعيد إلى توحيد مواقف القوى الدولية ودفعها نحو تشكيل تحالف بحري أوسع لحماية أحد أهم الممرات التجارية في العالم.
وأعلن مركز تنسيق العمليات الإنسانية التابع للحوثيين أن عبور السفن عبر مضيق باب المندب مجاني، نافيًا وجود أي توجه لفرض رسوم على حركة الملاحة، كما أكد أن ما وصفه بخدمة “العبور الآمن” اختيارية ومجانية.
غير أن توقيت النفي أثار تساؤلات بشأن الدوافع السياسية التي تقف خلفه، خصوصًا بعد تصاعد الحديث عن إمكانية تبني الجماعة ترتيبات مشابهة لما طُرح سابقًا بشأن فرض مقابل مالي لخدمات المرور في مضيق هرمز.
كان من شأن فرض رسوم أو قيود على عبور السفن أن ينقل سلوك الحوثيين من دائرة الهجمات العسكرية المرتبطة بالصراع الإقليمي إلى محاولة فرض سلطة فعلية على ممر مائي دولي، الأمر الذي قد يُفسر باعتباره تهديدًا مباشرًا لحرية الملاحة والتجارة العالمية.
وبحسب خبراء اقتصاديون أن مثل هذه الخطوة كانت ستمنح الدول المتضررة مبررًا أقوى لتوسيع التعاون العسكري وتشكيل قوة بحرية متعددة الجنسيات، لا تقتصر على الولايات المتحدة وبريطانيا، بل تضم دولًا أوروبية وآسيوية تعتمد بصورة كبيرة على خطوط الملاحة عبر البحر الأحمر وقناة السويس.
وبذلك، فإن التراجع عن فكرة الرسوم يمكن قراءته بوصفه محاولة لتجنب تحويل باب المندب إلى ساحة مواجهة مباشرة بين الحوثيين وتحالف دولي واسع، في وقت تسعى فيه الجماعة إلى الحد من الضغوط العسكرية والسياسية المفروضة عليها.
وتزامن الموقف الحوثي مع تحركات إقليمية ودبلوماسية متزايدة لتعزيز أمن البحر الأحمر، وسط مخاوف دولية من استمرار تهديد السفن التجارية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.
وبحسب تقديرات سياسية، تدرك الجماعة أن أي إعلان رسمي عن فرض رسوم أو تنظيم المرور البحري قد يدفع دولًا مترددة إلى الانضمام لترتيبات أمنية جديدة، باعتبار أن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بالهجمات على سفن محددة، بل بحرية الملاحة في ممر دولي حيوي.
ومن هذا المنطلق، يبدو أن نفي فرض الرسوم يهدف إلى سحب ذريعة قد تستخدمها القوى الدولية لتوسيع التحالفات البحرية، وإظهار الجماعة بمظهر الطرف الذي لا يسعى إلى تعطيل حركة التجارة أو فرض إتاوات على السفن.
وفي جانب آخر، يسعى الحوثيون إلى إعادة تقديم الأزمة باعتبارها خلافًا إقليميًا، ومحاولة حصرها في إطار المواجهة مع السعودية، بدل تحولها إلى صراع مفتوح مع المجتمع الدولي.
ويمنح هذا الخطاب الجماعة مساحة للمناورة السياسية، إذ إن حصر الأزمة في نطاق إقليمي قد يقلل من فرص تشكل إجماع دولي واسع ضدها، ويتيح لها الاستفادة من التباينات بين القوى الكبرى بشأن إدارة أمن البحر الأحمر.
لكن هذه الاستراتيجية تواجه صعوبات متزايدة، لأن الهجمات التي استهدفت السفن التجارية لم تعد تُقرأ باعتبارها امتدادًا للحرب اليمنية فقط، بل أصبحت مرتبطة بتأثيرها المباشر على التجارة العالمية وسلاسل الإمداد وأسعار الشحن والتأمين والطاقة.
ويحمل البيان الحوثي أيضًا محاولة لاحتواء الضغوط الدولية ومنع انتقالها من مستوى الإدانات والعقوبات إلى إجراءات عسكرية وأمنية أكثر اتساعًا.
فالدول الغربية والقوى البحرية الكبرى تعتبر حرية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب مصلحة استراتيجية، ما يجعل أي محاولة لفرض قيود أو رسوم على السفن عاملًا قد يدفع إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية أو تشديد العقوبات.
كما أن القوى الأوروبية والآسيوية، التي تعتمد تجارتها على الممرات البحرية عبر البحر الأحمر وقناة السويس، قد تنظر إلى أي إجراءات حوثية جديدة باعتبارها تهديدًا اقتصاديًا مباشرًا، وهو ما يرفع احتمالات عزل الجماعة سياسيًا ودبلوماسيًا.
ويعكس النفي الحوثي إدراكًا بأن معركة الشرعية الدولية لا تقل أهمية عن المواجهة العسكرية، إذ تحاول الجماعة تقديم نفسها باعتبارها طرفًا لا يعرقل حركة الملاحة ولا يسعى إلى فرض سيطرة اقتصادية على باب المندب.
لكن مراقبين يرون أن هذا الخطاب لا يلغي تداعيات الهجمات السابقة على السفن، ولا يبدد المخاوف الدولية من تكرارها، خصوصًا أن أمن البحر الأحمر أصبح قضية مرتبطة بالاقتصاد العالمي، وليست مجرد ملف إقليمي.
وفي المحصلة، يبدو التراجع عن فرض رسوم على السفن أقرب إلى مناورة سياسية تهدف إلى تجنب استفزاز المجتمع الدولي، وتقليص فرص تشكيل تحالف بحري أوسع ضد الحوثيين.
وتسعى الجماعة، عبر هذا التكتيك، إلى كسب الوقت ومنع انتقال المواجهة من عمليات محدودة إلى استراتيجية دولية أكثر شمولًا لحماية الملاحة وفرض ترتيبات أمنية جديدة في البحر الأحمر وباب المندب.
>
