رهان الفوضى الإيرانية.. أدوات النفوذ تتحول إلى أعباء على طهران

السياسية - منذ 49 دقيقة
عدن، نيوزيمن:

تدخل المواجهة بين إيران وخصومها مرحلة أكثر تعقيداً مع تصاعد التحركات العسكرية والسياسية المرتبطة بطهران في عدد من الساحات الإقليمية، وسط تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت الجمهورية الإسلامية لا تزال تمتلك أوراق ضغط مؤثرة، أم أنها بدأت في استهلاك أدوات نفوذها دفعة واحدة في محاولة لتعويض تراجع قدراتها وخسائرها الاستراتيجية.

وتأتي هذه التطورات عقب اللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بالتزامن مع تصعيد إيراني تمثل في إطلاق صواريخ بالستية باتجاه أهداف أميركية وأراضٍ أردنية، إلى جانب تصاعد النشاط المرتبط بحلفاء طهران في العراق واليمن، ورفض إيران المقترح العماني الخاص بتنظيم حركة الملاحة في مضيق هرمز.

وبحسب تحليل نشره موقع "سكاي نيوز عربية"، فإن التحركات الإيرانية الأخيرة تعكس محاولة من طهران لإعادة تثبيت معادلة الردع التي تعرضت لهزات متتالية، عبر الجمع بين التهديد باستخدام مضيق هرمز، وتفعيل شبكة الجماعات المسلحة التابعة لها في المنطقة، في وقت تشير فيه تقديرات سياسية إلى أن هذه الأدوات قد تتحول من أوراق نفوذ إلى أعباء استراتيجية تزيد من عزلة إيران.

سياسة حافة الهاوية لتعويض تراجع الخيارات

يرى الأكاديمي والباحث السياسي عايد المناع أن إيران تتحرك في ظل حالة من الارتباك الداخلي وفقدان القدرة على المناورة، مشيراً إلى أن طهران تدرك محدودية قدرتها على خوض مواجهة مباشرة واسعة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، ولذلك تعتمد على أدوات غير مباشرة، أبرزها الضغط عبر الممرات البحرية وتحريك أذرعها الإقليمية.

ويشير المناع إلى أن إيران تسعى من خلال هذا التصعيد إلى خلق حالة من القلق الدولي، أملاً في دفع واشنطن إلى تقديم تنازلات في الملفات الخلافية، وعلى رأسها البرنامج النووي، إلا أن هذه الاستراتيجية، وفق تقديره، لن تمكن طهران من تحقيق أهدافها النووية أو تجاوز أزمتها السياسية والاقتصادية.

ويعكس هذا المسار، بحسب مراقبين، اعتماد إيران المتزايد على سياسة "إدارة الفوضى" بدلاً من امتلاك مبادرات سياسية مستقلة، حيث باتت تحركاتها مرتبطة بقدرتها على تهديد الاستقرار الإقليمي أكثر من قدرتها على تحقيق مكاسب طويلة الأمد.

ويعد مضيق هرمز أحد أبرز أدوات الضغط التي لطالما استخدمتها إيران في خطابها السياسي والعسكري، باعتباره ممراً حيوياً للطاقة العالمية، إلا أن التهديد المتكرر بإغلاقه أو تعطيل الملاحة فيه يضع طهران أمام معادلة معقدة؛ فالمضيق لا يمثل ورقة ضغط على خصومها فقط، بل يشكل أيضاً مصلحة دولية يصعب على المجتمع الدولي السماح بتعطيلها.

ويرى المناع أن مضيق هرمز ممر دولي لا يخضع لسيادة دولة واحدة، وأن أي محاولة لعرقلة حركة السفن ستضع إيران في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي، لا مع خصومها الإقليميين فقط.

كما يشير إلى أن رفض طهران للمبادرة العمانية بشأن تنظيم الملاحة في المضيق يعكس رغبتها في الاحتفاظ بأداة النفوذ والسيطرة، رغم أن استمرار هذه السياسة قد يؤدي إلى مزيد من العزلة السياسية والاقتصادية.

ويذهب الباحث بشير عبد الفتاح إلى أن أهمية المضيق بالنسبة لإيران لا ترتبط فقط بالجانب الجغرافي، بل بما يمثله من رمز لنفوذها الإقليمي، فضلاً عن العوائد الاقتصادية المرتبطة بالخدمات البحرية والرسوم، التي تقدر بمليارات الدولارات سنوياً.

الوكلاء.. آخر أدوات الضغط الإيرانية

في ظل الضغوط المتزايدة على قدراتها العسكرية المباشرة، تعتمد إيران بشكل كبير على شبكة من الجماعات المسلحة الحليفة في المنطقة، من العراق إلى اليمن ولبنان، بهدف إبقاء خصومها تحت ضغط مستمر دون الدخول في مواجهة مباشرة.

ويشير التحليل إلى أن تحريك هذه الجبهات يعكس محاولة إيرانية لإعادة بناء معادلة "الردع غير المتماثل"، بعد تعرض نفوذها الإقليمي لضربات متتالية.

إلا أن هذه السياسة تواجه تحديات متزايدة، إذ باتت تحركات الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران تُقرأ دولياً باعتبارها امتداداً للقرار الإيراني، ما يجعل طهران تتحمل تبعات أفعال هذه الأطراف سياسياً وأمنياً.

وفي هذا السياق، يرى الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية عمر الرداد أن الحرس الثوري الإيراني أصبح صاحب التأثير الأكبر في رسم السياسة الخارجية والعسكرية لطهران، وأنه يدفع باتجاه استخدام الأدوات المسلحة في المنطقة كوسيلة استباقية لمنع أي استهداف محتمل للعمق الإيراني.

وتسلط التحليلات الأخيرة الضوء على الدور المتنامي للحرس الثوري داخل منظومة القرار الإيراني، حيث يرى بعض الباحثين أن المؤسسة العسكرية باتت تملك تأثيراً واسعاً في تحديد خيارات التصعيد، بما يتجاوز الحسابات الدبلوماسية للحكومة الإيرانية.

ويعتبر الرداد أن انتقال الحرس الثوري من سياسة امتصاص الضربات إلى محاولة توجيه ضربات استباقية يعكس شعوراً بتراجع المبادرة الاستراتيجية، ومحاولة لتعويض فقدان بعض أدوات النفوذ التقليدية.

كما يرى أن استخدام الجماعات المسلحة، ومنها الحوثيون في اليمن والميليشيات العراقية، يأتي ضمن استراتيجية إيرانية تهدف إلى توسيع نطاق المواجهة وإرباك الخصوم، خصوصاً مع إدراك طهران أن ورقة مضيق هرمز وحدها قد لا تكون كافية للحفاظ على نفوذها.

وتكشف التطورات المتسارعة أن إيران تواجه معضلة استراتيجية؛ فهي من جهة تسعى إلى الحفاظ على صورة القوة الإقليمية القادرة على التأثير، ومن جهة أخرى تواجه ضغوطاً اقتصادية وعسكرية وسياسية تحد من قدرتها على خوض صراع مفتوح.

ويرى مراقبون أن الإفراط في استخدام أوراق الضغط، سواء عبر تهديد الملاحة الدولية أو تحريك الوكلاء، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، عبر توحيد المواقف الدولية ضدها، وتقليص هامش المناورة الذي اعتمدت عليه لعقود.