صفقة الأسرى.. كيف استغلها الحوثيون لإثارة الفوضى في الجنوب؟

الجنوب - منذ 45 دقيقة
عدن، نيوزيمن، خاص:

منذ سنوات، ظل ملف الأسرى واحداً من أكثر الملفات الإنسانية حساسية وتعقيداً في المشهد اليمني، باعتباره قضية ترتبط بمصير آلاف العائلات التي تنتظر عودة أبنائها، إلا أن هذا الملف سرعان ما يتحول في كل مرة إلى مساحة للتجاذبات السياسية والمساومات، وسط مخاوف من استغلاله لتحقيق أهداف تتجاوز البعد الإنساني.

وفي أحدث فصول الجدل، أثار قيام جماعة الحوثي بنشر قائمة بأسماء المشمولين في صفقة تبادل الأسرى مع الحكومة اليمنية قبل استكمال التوافق النهائي على جميع الأسماء الواردة في قوائمها، تساؤلات واسعة حول دوافع هذه الخطوة وتوقيتها، خصوصاً مع وجود أسماء متهمة بالتورط في قضايا إرهابية وعمليات دامية طالت عدداً من أبناء الجنوب.

ويرى مراقبون أن نشر القوائم بهذه الطريقة يمثل محاولة لفرض أمر واقع وإرباك مسار التفاوض، عبر نقل الملف من غرف التفاهمات إلى دائرة الجدل الشعبي، بما قد يؤدي إلى خلق حالة من الاحتقان والانقسام داخل المجتمعات المحلية، خاصة في المناطق التي عانت طويلاً من العمليات الإرهابية وسقوط الضحايا.

ملف الأسرى.. بين البعد الإنساني وحسابات النفوذ

لطالما تعاملت الأطراف اليمنية مع ملف الأسرى باعتباره ورقة ذات تأثير سياسي وأمني، رغم أن جوهر القضية يرتبط بحقوق إنسانية وقانونية يفترض أن تكون بعيدة عن الصراع.

فآلاف الأسر اليمنية، في مختلف المحافظات، تنتظر منذ سنوات خبراً يطمئنها على مصير أبنائها، فيما تشكل عمليات التبادل أملاً حقيقياً لإنهاء معاناة طويلة خلفتها الحرب.

لكن حساسية الملف تكمن في أن قوائم الأسرى لا تضم فقط مقاتلين عاديين، بل قد تشمل في بعض الحالات أشخاصاً مرتبطين بملفات أمنية وقضايا جنائية خطيرة، وهو ما يجعل أي تعامل مع هذه القوائم بحاجة إلى تدقيق ومراجعة دقيقة، بما يضمن عدم الإضرار بحقوق الضحايا أو تجاوز العدالة.

قوائم مثيرة للجدل وعودة ملف الضحايا إلى الواجهة

أعاد نشر قوائم الأسماء الأخيرة فتح ملفات مؤلمة لدى أسر ضحايا العمليات الإرهابية في الجنوب، بعد ورود أسماء متهمين بارتكاب أو المشاركة في أعمال دامية خلفت عشرات الضحايا.

ومن أبرز القضايا التي عادت إلى الواجهة، قضية اغتيال الشهيد اللواء ثابت جواس، أحد أبرز القادة العسكريين المنحدرين من منطقة ردفان، والذي قُتل إثر استهداف مركبته بعبوة ناسفة في العاصمة عدن، في عملية اعتُبرت من أكثر الهجمات دموية واستهدافاً للرموز العسكرية الجنوبية.

كما ارتبطت أسماء أخرى بعملية إرهابية استهدفت موكب محافظ عدن السابق أحمد حامد لملس، والتي أسفرت عن سقوط عدد من أبناء محافظة شبوة، في هجوم ترك آثاراً كبيرة لدى أسر الضحايا والمجتمع المحلي.

ويرى ذوو الضحايا أن أي خطوة تتعلق بالإفراج عن متهمين في مثل هذه القضايا يجب أن تراعي حجم المأساة التي خلفتها تلك العمليات، وأن لا تتحول معاناة الضحايا إلى تفصيل ثانوي في أي ترتيبات سياسية.

محاولة لإعادة إنتاج الانقسام؟

يعتقد مراقبون أن توقيت نشر القوائم وطريقة الإعلان عنها يثيران العديد من علامات الاستفهام، خصوصاً أن الملف كان لا يزال في إطار التفاوض ولم يصل إلى مرحلة الاتفاق النهائي على كافة التفاصيل.

ويشير هؤلاء إلى أن الإعلان المبكر عن الأسماء قد يكون هدفه خلق ضغط شعبي وسياسي على الأطراف الأخرى، وإحداث حالة من الاستقطاب داخل الجنوب تحديداً، عبر وضع مكونات المجتمع أمام قضية شديدة الحساسية مرتبطة بضحايا الإرهاب والعدالة.

فالجنوب، الذي واجه خلال السنوات الماضية موجات من العنف والاغتيالات والهجمات الإرهابية، لا يزال يحمل ذاكرة مؤلمة تجاه تلك الجرائم، ما يجعل أي ملف يتصل بالمشتبه بهم أو المدانين فيها قابلاً لإثارة ردود فعل قوية.

ويرى محللون أن تحويل قضية الأسرى إلى عامل انقسام داخلي قد يخدم أجندات تسعى إلى إضعاف التماسك الاجتماعي وإشغال المجتمعات المحلية بصراعات داخلية بدلاً من التركيز على مواجهة التحديات الأمنية والسياسية الكبرى.

احتشاد قبلي في العاصمة عدن

ومع تصاعد الجدل حول قوائم الأسماء المعلنة، انتقلت تداعيات الملف من الأوساط السياسية والقانونية إلى الشارع، حيث تشهد العاصمة عدن حالياً توافداً واسعاً لمجاميع قبلية مسلحة من قبائل ردفان وقبائل جنوبية أخرى مساندة لها، استجابة للداعي القبلي الذي أطلقته قبائل ردفان، للتعبير عن رفضها القاطع لإدراج متهمين بارتكاب جرائم إرهابية وعمليات اغتيال ضمن قوائم صفقة تبادل الأسرى.

وتحتشد المجاميع القبلية في ساحة العروض بالعاصمة عدن، في مشهد يعكس حجم الغضب الشعبي والقبلي تجاه ما تعتبره تلك القبائل تجاوزاً لحقوق الضحايا وأسرهم، ومحاولة لتجاوز ملفات جنائية وأمنية حساسة عبر ترتيبات سياسية لا تراعي حجم الأضرار التي خلفتها تلك الجرائم.

وتؤكد القبائل المشاركة أن موقفها لا يرتبط برفض مبدأ تبادل الأسرى باعتباره ملفاً إنسانياً، وإنما برفض إدراج أسماء مرتبطة بقضايا إرهابية ودماء ضحايا لم تُغلق ملفاتها بعد، مشددة على أن تحقيق العدالة وإنصاف أسر الشهداء يجب أن يكون جزءاً أساسياً من أي تسوية أو تفاهمات تتعلق بهذا الملف.

ويرى مراقبون أن الحشد القبلي في عدن يمثل مؤشراً على أن قضية الأسرى تجاوزت حدود التفاوض بين الأطراف السياسية والعسكرية، وأصبحت تمس بشكل مباشر الذاكرة الجمعية للمجتمعات المحلية، خصوصاً في ردفان وشبوة وعدد من مناطق الجنوب التي تعرض أبناؤها خلال السنوات الماضية لعمليات اغتيال وهجمات إرهابية خلفت آثاراً عميقة لا تزال حاضرة في وجدان الأهالي.

كما يحذر متابعون من أن التعامل مع هذا الملف دون مراعاة البعد المجتمعي والقانوني قد يؤدي إلى تداعيات تتجاوز حدود صفقة التبادل نفسها، ويفتح الباب أمام حالة من الاحتقان الداخلي، في وقت تحتاج فيه المناطق الجنوبية إلى تعزيز التماسك والاستقرار لمواجهة التحديات الأمنية والسياسية القائمة.

بين حق الأسرى وحق الضحايا

المعادلة الأكثر تعقيداً في هذا الملف تتمثل في كيفية تحقيق التوازن بين الحق الإنساني للأسرى، وبين حق الضحايا وأسرهم في العدالة والإنصاف.

فلا خلاف على أهمية إنهاء معاناة الأسرى وإعادة المختطفين إلى ذويهم، لكن في المقابل فإن المجتمعات التي فقدت أبناءها في عمليات إرهابية تطالب بأن لا يكون ملف الأسرى مدخلاً لتجاوز حقوقها أو تجاهل دماء الضحايا.

ويؤكد قانونيون ومتابعون للملف أن أي عملية تبادل يجب أن تستند إلى معايير واضحة، وأن تفرق بين أسرى النزاع العسكري وبين المتهمين في جرائم إرهابية أو جنائية جسيمة، باعتبار أن هذه القضايا تخضع لمسارات قانونية مختلفة.

الحوثيون وورقة الملفات الحساسة

منذ بداية الحرب، اعتمدت جماعة الحوثي على إدارة العديد من الملفات السياسية والإنسانية باعتبارها أوراق نفوذ تفاوضية، وهو ما دفع خصومها إلى اتهامها مراراً باستخدام القضايا الإنسانية لتحقيق مكاسب سياسية.

ويرى منتقدون أن إدراج أسماء مثيرة للجدل ضمن قوائم التبادل، ثم الإعلان عنها قبل اكتمال التوافق، يعكس محاولة لاستخدام ملف الأسرى كورقة ضغط، وإعادة ترتيب المشهد الداخلي عبر إثارة قضايا خلافية عميقة.

وفي المقابل، فإن التعامل مع هذا الملف يحتاج إلى قدر كبير من المسؤولية، لأن أي استغلال سياسي لقضية الأسرى قد يفاقم الانقسامات ويزيد من معاناة المجتمع اليمني، بدلاً من أن يكون خطوة نحو تخفيفها.

ملف إنساني لا يحتمل المناورات

يبقى ملف الأسرى واحداً من أكثر الملفات التي تختبر جدية الأطراف اليمنية في التعامل مع المعاناة الإنسانية، بعيداً عن الحسابات السياسية.

فبينما تنتظر آلاف الأسر لحظة عودة أبنائها، تقف قضية الضحايا وحقوقهم كخط أحمر لا يمكن تجاوزه. وأي محاولة لتحويل هذا الملف إلى أداة لإثارة الفوضى أو إعادة فتح صراعات داخلية ستزيد من تعقيد المشهد اليمني وتعمق جراحاً لم تندمل بعد.

وفي ظل هذه المعطيات، فإن نجاح أي صفقة تبادل لا يقاس فقط بعدد الأسماء التي يتم الإفراج عنها، بل بقدرتها على تحقيق العدالة، واحترام مشاعر الضحايا، ومنع استخدام الملف الإنساني كوسيلة لإشعال أزمات جديدة.