اليمنيون في مواجهة الغلاء.. معركة يومية من أجل البقاء
الجنوب - منذ ساعة و 4 دقائق
عدن، نيوزيمن، خاص:
في اليمن، لم يعد السؤال الذي يشغل ملايين الأسر هو كيف يمكن تحسين مستوى المعيشة أو الادخار للمستقبل؟ بل كيف يمكن تجاوز اليوم الحالي بأقل قدر ممكن من الخسائر. فمع استمرار الحرب وتفاقم الانهيار الاقتصادي وتدهور قيمة العملة المحلية وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، نشأ ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد البقاء"، وهو نمط معيشي فرضته الظروف القاسية على غالبية اليمنيين الذين باتوا يخوضون معركة يومية لتأمين احتياجاتهم الأساسية.
على امتداد المدن والقرى، تتشابه الحكايات وإن اختلفت تفاصيلها. موظفون فقدت رواتبهم قيمتها الشرائية، وعمال يوميون تراجعت فرص عملهم، وأسر كانت تنتمي إلى الطبقة الوسطى وجدت نفسها فجأة على حافة الفقر أو داخله. وفي ظل هذا الواقع، اضطرت الأسر اليمنية إلى ابتكار وسائل متعددة للتكيف مع الأزمة، بعضها مؤقت وبعضها تحول إلى أسلوب حياة دائم.
تقليص الاحتياجات إلى الحد الأدنى
أولى خطوات التكيف كانت إعادة ترتيب الأولويات المعيشية. فالكثير من الأسر لم تعد قادرة على شراء ما كانت تعتبره سابقاً من أساسيات الحياة اليومية، وأصبح الإنفاق يتركز على الغذاء والدواء والمياه، بينما تراجعت النفقات المخصصة للتعليم والترفيه والملابس وحتى الرعاية الصحية في كثير من الحالات.
وتشير شهادات مواطنين إلى أن الوجبات اليومية تقلصت كماً ونوعاً، حيث استبدلت العديد من الأسر اللحوم والأسماك بأطعمة أقل تكلفة، فيما أصبحت بعض المواد الغذائية التي كانت حاضرة بشكل دائم على الموائد اليمنية تُشترى على فترات متباعدة بسبب ارتفاع أسعارها.
المرأة في خط المواجهة الاقتصادية
في مواجهة تراجع دخل الأسرة، برز دور النساء بشكل لافت في دعم الاقتصاد المنزلي. فقد اتجهت آلاف النساء إلى مشاريع صغيرة من داخل المنازل، شملت إعداد المأكولات الشعبية، وصناعة المعجنات، والخياطة، والتطريز، وبيع المنتجات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
هذا التحول لم يكن مجرد مصدر دخل إضافي، بل أصبح بالنسبة لكثير من الأسر شريان نجاة ساهم في تغطية جزء من النفقات الأساسية، خاصة في ظل محدودية فرص العمل وتراجع الأنشطة الاقتصادية في مختلف القطاعات.
التحويلات المالية.. شبكة الأمان الأخيرة
لا تزال التحويلات المالية القادمة من اليمنيين في الخارج تمثل أحد أهم مصادر الصمود الاقتصادي للأسر. ففي ظل ضعف الاقتصاد المحلي وتراجع فرص الدخل، تعتمد أعداد كبيرة من العائلات على الأموال التي يرسلها أقاربهم العاملون في دول الخليج ودول أخرى.
وبالنسبة لبعض الأسر، أصبحت هذه التحويلات المورد الأساسي الوحيد الذي يضمن استمرارها في مواجهة تكاليف المعيشة المتزايدة، ما جعل أي تراجع في تدفقها يشكل تهديداً مباشراً للأمن الغذائي والمعيشي لملايين اليمنيين.

اقتصاد الديون والشراء الآجل
ومع اتساع الفجوة بين الدخل والإنفاق، انتشرت ظاهرة الشراء بالدين بشكل واسع. ففي الأسواق والأحياء الشعبية، أصبح الشراء الآجل جزءاً من الحياة اليومية للكثير من الأسر التي لم تعد قادرة على تغطية احتياجاتها النقدية بشكل مباشر.
ويؤكد أصحاب محال تجارية أن قوائم الديون المتراكمة لدى الزبائن تشهد ارتفاعاً مستمراً، في مؤشر واضح على حجم الضغوط الاقتصادية التي تواجهها الأسر، وعلى تحول الدّين من خيار استثنائي إلى وسيلة معيشية شبه دائمة.
التعليم والصحة.. ضحايا الأزمة الصامتة
ورغم أن الأسر تبذل جهوداً كبيرة للحفاظ على تعليم أبنائها، إلا أن الضغوط الاقتصادية دفعت بعض العائلات إلى إخراج أطفالها من المدارس أو تأخير استكمال تعليمهم للمساهمة في توفير دخل إضافي للأسرة.
كما باتت الرعاية الصحية تمثل تحدياً كبيراً، حيث تؤجل كثير من الأسر زيارة الأطباء أو شراء الأدوية إلا في الحالات الضرورية، الأمر الذي يزيد من المخاطر الصحية ويعمق من الآثار الإنسانية للأزمة.
التضامن الاجتماعي كآلية للبقاء
في ظل ضعف شبكات الحماية الاجتماعية الرسمية، استعادت المجتمعات المحلية أشكالاً تقليدية من التكافل والتعاون. فالأقارب والجيران والأصدقاء أصبحوا يشكلون شبكة دعم مهمة لتبادل المساعدات وتوفير الاحتياجات الأساسية في أوقات الأزمات.
ويؤكد مختصون اجتماعيون أن هذا التضامن لعب دوراً محورياً في الحد من آثار الانهيار الاقتصادي، غير أن استمرار الأزمة لسنوات طويلة بدأ يضعف قدرة المجتمع نفسه على الاستمرار في تقديم الدعم بالوتيرة ذاتها.
جيل ينشأ في ظل الأزمات
لا تقتصر آثار الانهيار المعيشي على الحاضر فقط، بل تمتد إلى المستقبل أيضاً. فالأطفال الذين يكبرون اليوم في بيئة تعاني من الفقر وسوء التغذية وضعف الخدمات التعليمية والصحية، يواجهون تحديات كبيرة قد تؤثر على فرصهم التنموية لعقود قادمة.
ويحذر خبراء من أن استمرار هذا الوضع يهدد بإنتاج فجوات اجتماعية واقتصادية أعمق، ويجعل عملية التعافي وإعادة البناء أكثر تعقيداً حتى بعد انتهاء الصراع.
معركة يومية من أجل البقاء
بين تراجع الدخل وارتفاع الأسعار وانهيار الخدمات، نجحت الأسر اليمنية في تطوير استراتيجيات متعددة للتكيف مع الأزمة، إلا أن هذه القدرة على الصمود لا تعني أن الأوضاع قابلة للاستمرار إلى ما لا نهاية.
فما يجري اليوم ليس مجرد أزمة اقتصادية عابرة، بل تحول عميق في أنماط الحياة والسلوك الاجتماعي، فرض على ملايين اليمنيين إعادة تعريف مفهوم المعيشة الكريمة. وبينما تواصل الأسر خوض معركتها اليومية من أجل البقاء، يبقى السؤال الأهم: إلى متى يمكن لهذا "اقتصاد البقاء" أن يصمد في مواجهة أزمة تبدو بلا أفق واضح للحل؟
>
