تقرير أممي: ارتفاع الوقود وتراجع الإنتاج يهددان قطاع الصيد في اليمن

السياسية - منذ ساعة و 37 دقيقة
عدن، نيوزيمن، خاص:

حذر تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن قطاع المصايد السمكية في اليمن يواجه تحديات غير مسبوقة تهدد استدامته، رغم امتلاك البلاد واحداً من أطول السواحل في المنطقة وموارد بحرية كبيرة يمكن أن تشكل ركيزة أساسية للنمو الاقتصادي وتعزيز الأمن الغذائي.

وجاء التقرير، الذي حمل عنوان "دراسة تحليلية لمنظومة السوق السمكي في اليمن"، في إطار مشروع إعادة تأهيل ميناء الاصطياد السمكي وتطوير سلسلة القيمة في عدن، حيث تناول أوضاع القطاع في أربع مناطق ساحلية هي البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب ومحافظة المهرة، بهدف تقييم دوره الاقتصادي وفرص تطويره.

وأوضح التقرير أن القطاع السمكي لا يزال يمثل مصدراً رئيسياً للدخل لعشرات الآلاف من الأسر اليمنية، إلا أن الصيادين والعاملين فيه يواجهون أوضاعاً معيشية متدهورة بسبب الارتفاع الحاد في أسعار الوقود، وتقلب أسعار الأسماك، وتراجع كميات المصيد، وضعف الوصول إلى الخدمات المالية، إضافة إلى اعتماد معظمهم على قروض غير رسمية تبقيهم في دائرة مفرغة من الديون.

الوقود... الأزمة الأكبر

ووصف التقرير الوقود بأنه العامل الأكثر تأثيراً في تنافسية القطاع السمكي، باعتباره يدخل في جميع مراحل الإنتاج، بدءاً من رحلات الصيد، مروراً بالنقل والتبريد والتخزين، وانتهاءً بالتجهيز والتصدير.

وأشار إلى أن الارتفاع المتواصل في أسعار الوقود ضاعف تكاليف تشغيل قوارب الصيد، وأجبر كثيراً من الصيادين على تقليص رحلاتهم البحرية أو البقاء لفترات أطول في البحر بحثاً عن كميات كافية من الأسماك لتعويض التكاليف، بينما ارتفعت أيضاً أعباء مصانع الثلج ومرافق التجهيز والنقل المبرد، ما انعكس بصورة مباشرة على أسعار المنتجات وهوامش الربح.

ونقل التقرير عن صيادين قولهم إن تكلفة رحلة الصيد اليومية ارتفعت من نحو عشرة آلاف ريال قبل سنوات إلى ما بين 60 و80 ألف ريال يومياً، مع استهلاك يصل إلى 120 لتراً من الوقود في بعض الرحلات، بينما تراجعت الإيرادات بصورة كبيرة مقارنة بما كانت عليه سابقاً.

وأكد التقرير أن الأزمة الاقتصادية دفعت معظم الصيادين إلى الاعتماد على القروض غير الرسمية المقدمة من تجار الجملة أو موردي مستلزمات الصيد لتغطية تكاليف الوقود والثلج والصيانة، الأمر الذي جعلهم ملزمين ببيع إنتاجهم للدائنين بأسعار وشروط يفرضها هؤلاء التجار.

وأوضح أن هذا النمط من التمويل خلق علاقة تبعية اقتصادية طويلة الأمد، إذ أصبح الصيادون الحلقة الأضعف في سلسلة القيمة، بينما تركزت القوة التفاوضية والمالية في أيدي عدد محدود من التجار القادرين على التحكم في عمليات البيع والتسعير.

وأضاف أن تراجع كميات المصيد، إلى جانب انخفاض القوة الشرائية وارتفاع تكاليف التشغيل، جعل كثيراً من الصيادين يعملون فقط لتغطية احتياجاتهم اليومية وسداد الديون، دون القدرة على تحسين أوضاعهم الاقتصادية أو الاستثمار في تطوير معداتهم.

تراجع دور الجمعيات السمكية

ورصد التقرير تراجعاً واضحاً في دور جمعيات الصيادين التي كانت تمثل في السابق مظلة داعمة لأعضائها من خلال توفير الوقود المدعوم والقروض والخدمات التسويقية.

وأشار إلى أن كثيراً من هذه الجمعيات فقدت فاعليتها بسبب الحرب والأزمة المالية، فيما أصبحت أخرى تقتصر على الوساطة في بيع الأسماك، بينما خضعت بعض الجمعيات في عدد من المناطق لنفوذ شخصيات نافذة، الأمر الذي أضعف قدرتها على الدفاع عن مصالح الصيادين.

وفي المقابل، لفت التقرير إلى أن محافظة حضرموت ما تزال تحتفظ بجمعيات أكثر نشاطاً مقارنة بمناطق أخرى، وهو ما منح الصيادين فيها قدرة تفاوضية أفضل نسبياً داخل السوق.

وبيّن التقرير أن معظم صادرات اليمن السمكية تغادر البلاد بأدنى مستويات التصنيع، سواء في صورة أسماك مجمدة أو منتجات أولية، بينما لا تزال فرص التصنيع الغذائي وإنتاج السلع ذات القيمة المضافة محدودة للغاية.

وأوضح أن اقتصار عمليات التجهيز على التجميد والتجفيف وتعليب التونة أدى إلى ضياع فرص اقتصادية كبيرة، كان يمكن أن ترفع قيمة الصادرات وتخلق وظائف جديدة، خصوصاً في ظل الطلب المتزايد على المنتجات البحرية المصنعة في الأسواق الإقليمية والدولية.

كما أشار إلى أن المنتجات المستوردة، وخاصة المعلبات، أصبحت تنافس الإنتاج المحلي بسبب ارتفاع تكاليف التصنيع داخل اليمن، وهو ما يزيد الضغوط على المصانع الوطنية.

اختلالات في التجارة السمكية

وأوضح التقرير أن اليمن، رغم امتلاكه قطاعاً سمكياً مهماً، أصبح يستورد كميات كبيرة من المأكولات البحرية المصنعة، ولا سيما التونة المعلبة، ما أدى إلى اتساع الفجوة التجارية في هذا المجال.

وأضاف أن معظم الصادرات اليمنية تتركز في المنتجات الخام أو المجمدة، بينما تستحوذ المنتجات المصنعة المستوردة على حصة متزايدة من السوق المحلية، وهو ما يعكس ضعف الاستثمار في الصناعات التحويلية المرتبطة بالقطاع السمكي.

وشدد التقرير على أن إنقاذ القطاع يتطلب تنفيذ حزمة من الإصلاحات، تشمل تطوير البنية التحتية لسلسلة التبريد، وتوسيع الخدمات المالية الموجهة للصيادين، وتعزيز دور جمعيات الصيد، وتشجيع الاستزراع السمكي، ومكافحة الصيد غير القانوني، ودعم الصناعات التحويلية، ورفع مشاركة المرأة في مختلف مراحل سلسلة القيمة.

وأكد أن معالجة هذه التحديات ستتيح لليمن الاستفادة بصورة أفضل من موارده البحرية، وزيادة الصادرات، وخلق فرص عمل مستدامة، وتعزيز الأمن الغذائي، وبناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود في مواجهة الأزمات، محذراً في الوقت نفسه من أن استمرار الأوضاع الحالية سيؤدي إلى مزيد من تراجع القطاع وفقدان آلاف الأسر أحد أهم مصادر دخلها.