الحصار الحقيقي في اليمن.. حين تحولت مؤسسات الدولة إلى رهينة بيد الحوثيين

السياسية - منذ 6 ساعات و 17 دقيقة
عدن، نيوزيمن، خاص:

في الوقت الذي تواصل فيه جماعة الحوثي تصدير رواية "الحصار" بوصفها التفسير الوحيد للأزمة الإنسانية والاقتصادية التي يعيشها اليمن، تكشف الوقائع المتراكمة خلال أكثر من عقد من الصراع أن جانباً كبيراً من الكارثة الحالية يرتبط بعامل آخر لا يقل خطورة، بل ربما كان أكثر تأثيراً على المدى الطويل، يتمثل في تفكيك المؤسسات الوطنية التي كانت تشكل العمود الفقري للدولة اليمنية والضامن لوحدة القرار الاقتصادي والإداري والخدمي.

فالدول لا تنهار فقط بسبب الحروب والغارات العسكرية، وإنما عندما تفقد مؤسساتها الجامعة وقدرتها على إدارة شؤون مواطنيها بصورة موحدة. وهذا ما حدث في اليمن منذ سيطرة جماعة الحوثي على مؤسسات الدولة في صنعاء عام 2014، حيث تحولت العديد من المؤسسات السيادية والخدمية من أدوات وطنية تخدم جميع اليمنيين إلى أدوات تخضع لسلطة الأمر الواقع وتوظف لخدمة مشروع سياسي وعسكري خاص.

ومع مرور السنوات، لم يعد اليمن يواجه حرباً عسكرية فحسب، بل أزمة دولة تتآكل مؤسساتها وتتشظى وظائفها بين سلطات متنافسة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد والتعليم والخدمات الأساسية ومستقبل ملايين اليمنيين.

البنك المركزي.. حين بدأ الانهيار من قلب الاقتصاد

شكل البنك المركزي اليمني لعقود إحدى أهم المؤسسات السيادية التي حافظت على تماسك الاقتصاد الوطني رغم الأزمات السياسية المتعاقبة. فقبل الحرب كان البنك يدير السياسة النقدية لجميع المحافظات دون استثناء، ويشرف على النظام المصرفي، ويحتفظ باحتياطي نقدي قُدّر بنحو خمسة مليارات دولار حتى نهاية عام 2014.

لكن مع سيطرة الحوثيين على صنعاء، تعرض البنك المركزي لضغوط واستنزاف غير مسبوقين، حيث تم استخدام الاحتياطي النقدي بصورة متسارعة في ظل ظروف الحرب والانقسام، ما أدى إلى تآكل أحد أهم خطوط الدفاع عن الاقتصاد اليمني.

ومع نفاد الاحتياطي وتفاقم الأزمة المالية، دخلت البلاد مرحلة من الانهيار النقدي الحاد، انعكست في تراجع قيمة العملة الوطنية وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.

ولم يتوقف الضرر عند هذا الحد، بل أدى الانقسام المالي والمصرفي إلى ظهور منظومتين نقديتين داخل بلد واحد، بما حمله ذلك من تشوهات اقتصادية وتعقيدات مصرفية أضعفت حركة التجارة والاستثمار وأربكت السوق اليمنية بصورة غير مسبوقة.

التعليم.. تفكيك الهوية الوطنية من داخل الفصول الدراسية

إذا كان الاقتصاد يمثل عصب الدولة، فإن التعليم يمثل روحها ومستقبلها. وعلى مدى عقود امتلك اليمن منظومة تعليمية موحدة ومناهج وطنية مشتركة تدرّس في مختلف المحافظات. غير أن سنوات الحرب شهدت تحولات عميقة داخل قطاع التعليم في مناطق سيطرة الحوثيين.

فقد طالت التعديلات المناهج الدراسية ومضامينها الفكرية والتاريخية، وشملت إعادة صياغة موضوعات مرتبطة بالهوية الوطنية والجمهورية والتاريخ السياسي لليمن، إلى جانب إدخال مضامين ذات طابع أيديولوجي ومذهبي.

ويرى تربويون أن أخطر ما في هذه التغييرات ليس مجرد تعديل بعض النصوص، بل تكريس واقع تعليمي ينتج أجيالاً تتلقى روايات مختلفة للتاريخ والدولة والمواطنة والانتماء الوطني.

كما ساهمت أزمة رواتب المعلمين وتراجع العملية التعليمية في تعميق الفجوة بين الطلاب في مناطق الحكومة ومناطق سيطرة الحوثيين، ما خلق انقساماً معرفياً وثقافياً يهدد وحدة الهوية الوطنية للأجيال القادمة.

الاتصالات.. من خدمة وطنية إلى أداة نفوذ وسيطرة

في الحروب الحديثة، لا تقل السيطرة على المعلومات أهمية عن السيطرة على الأرض. ولهذا مثّل قطاع الاتصالات أحد أهم القطاعات التي حرص الحوثيون على الاحتفاظ بها تحت سيطرتهم المباشرة. فالبنية التحتية الرئيسية للاتصالات والإنترنت بقيت في صنعاء، ما منح الجماعة نفوذاً واسعاً في واحد من أكثر القطاعات حساسية وربحية.

وتتهم الحكومة اليمنية الحوثيين باستخدام هذا القطاع لأغراض الرقابة الأمنية ومراقبة الاتصالات وفرض قيود على المحتوى الرقمي والإعلامي، فضلاً عن الاستفادة من إيراداته كمصدر تمويل رئيسي لأنشطتهم.

وفي المقابل، اضطرت الحكومة إلى بناء بدائل ومشاريع جديدة في عدن، الأمر الذي أدى إلى تكريس حالة الازدواج المؤسسي في قطاع كان يمثل سابقاً أحد أبرز رموز وحدة الدولة اليمنية.

وهكذا تحولت الاتصالات من جسر يربط اليمنيين ببعضهم إلى عنوان جديد للانقسام القائم.

الطيران المدني.. عندما تصبح السماء رهينة للصراع

لم يسلم قطاع الطيران المدني من تداعيات الحرب والانقسام. فإغلاق مطار صنعاء لفترات طويلة، وتعدد مراكز القرار، وتعقيدات تشغيل الرحلات الدولية، أدت جميعها إلى إضعاف قطاع حيوي كان يمثل نافذة اليمن الرئيسية على العالم.

كما تعرضت شركة الخطوط الجوية اليمنية لخسائر كبيرة نتيجة الانقسام الإداري والتشغيلي. ومن أبرز هذه الخسائر احتجاز عدد من طائراتها في مطار صنعاء وإبقاؤها خارج الخدمة لفترات طويلة قبل أن تتعرض لاحقاً للتدمير بفعل المواجهات العسكرية.

وبذلك لم يخسر اليمن جزءاً من أسطوله الجوي فحسب، بل خسر أيضاً جزءاً من سيادته التشغيلية وقدرته على إدارة قطاع النقل الجوي بصورة موحدة.

لقد أصبحت حركة السفر والتنقل مرتبطة بالتجاذبات السياسية والعسكرية أكثر من ارتباطها بالمعايير المهنية والفنية التي تحكم صناعة الطيران في العالم.

من دولة واحدة إلى مؤسسات متوازية

تكشف هذه النماذج حجم التحول الذي أصاب الدولة اليمنية خلال سنوات الحرب. فالبنك المركزي لم يعد مؤسسة موحدة. والتعليم لم يعد يحمل مضموناً وطنياً واحداً. والاتصالات لم تعد مرفقاً عاماً لجميع اليمنيين. والطيران المدني لم يعد يعمل ضمن منظومة وطنية متماسكة.

وما حدث لهذه القطاعات لم يكن مجرد آثار جانبية للحرب، بل مثّل عملية تفكيك تدريجية للمؤسسات التي كانت تشكل الرابط العملي بين اليمنيين وتدير شؤونهم ضمن إطار دولة واحدة.

ولهذا يرى مراقبون أن اختزال الأزمة اليمنية في شعار "الحصار" يتجاهل جانباً جوهرياً من الحقيقة، يتمثل في الانهيار المؤسسي الذي أصاب الدولة نتيجة سياسات الانقسام وفرض الأمر الواقع.

الحصار الذي أصاب الدولة نفسها

بعد أكثر من عشر سنوات من الحرب، تبدو الحقيقة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: فاليمن لم يخسر فقط احتياطياته المالية أو جزءاً من خدماته العامة، بل خسر مؤسسات كانت تمثل أعمدة الدولة الحديثة.

لقد كان الحصار الأكثر تدميراً هو ذلك الذي فُرض على مؤسسات الدولة نفسها عندما جرى تفكيكها وإضعافها وتحويلها من مؤسسات وطنية جامعة إلى أدوات تخدم مشروعاً سياسياً وعسكرياً ضيقاً.

ومن هنا، فإن أي حديث جاد عن إنقاذ اليمن لا يمكن أن يقتصر على معالجة الآثار الاقتصادية والإنسانية للحرب، بل يجب أن يبدأ بإعادة بناء المؤسسات الوطنية واستعادة دورها الجامع، باعتبارها الضمانة الحقيقية لوحدة الدولة واستقرار المجتمع ومستقبل الأجيال القادمة.

فالدول قد تتعافى من الحروب، لكنها تحتاج سنوات طويلة للتعافي من انهيار مؤسساتها. واليمن اليوم يواجه هذا التحدي الكبير أكثر من أي وقت مضى.