أزمة باب المندب تهدد صادرات السعودية وتفتح نافذة مكاسب لروسيا

السياسية - منذ 6 ساعات و دقيقة
عدن، نيوزيمن، خاص:

تتسع دائرة المخاوف الدولية من التداعيات الاقتصادية المحتملة لتهديدات ميليشيا الحوثي بإغلاق مضيق باب المندب، في ظل تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وتزايد المؤشرات على سعي طهران لاستخدام الجماعة كورقة ضغط لتهديد أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بما قد يفتح الباب أمام أزمة جديدة في أسواق الطاقة والتجارة الدولية.

ويأتي هذا التصعيد في وقت تؤكد فيه بيانات شركات تتبع حركة الشحن أن مضيق باب المندب أصبح أكثر أهمية في حركة تجارة النفط العالمية خلال الأشهر الأخيرة، إذ كشفت شركة "كبلر" (Kpler) أن متوسط تدفقات النفط عبر المضيق بلغ 7.4 مليون برميل يومياً خلال يونيو الماضي، مقارنة بـ 4.2 مليون برميل يومياً خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وهو ارتفاع يعكس عودة جزء كبير من حركة الملاحة بعد أشهر من الاضطرابات الأمنية، كما يمثل نحو 7 في المائة من الإنتاج العالمي للنفط.

ويعد باب المندب شرياناً استراتيجياً يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وتعبره يومياً مئات السفن التجارية وناقلات النفط القادمة من الخليج العربي والمتجهة إلى أوروبا وأمريكا الشمالية، كما يمثل المسار الأقصر بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس، ما يجعل أي اضطراب فيه ذا انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمي.

ارتفاع النفط وتكاليف الشحن

وتصاعدت المخاوف بعد تقارير تحدثت عن طلب إيراني مباشر لميليشيا الحوثي بالاستعداد لإغلاق المضيق في حال تعرضت منشآت الطاقة الإيرانية لهجمات أمريكية، وهو ما تزامن مع تهديدات أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستهداف البنية التحتية للطاقة في إيران، في إطار التصعيد العسكري المتبادل بين الجانبين.

ويرى محللون أن تهديد باب المندب لم يعد مرتبطاً بالحرب اليمنية فحسب، بل أصبح جزءاً من الصراع الإقليمي الأوسع، حيث تسعى إيران إلى توسيع دائرة المواجهة عبر استخدام الجماعات المسلحة الحليفة لها لتهديد طرق التجارة والطاقة الدولية، الأمر الذي ينقل الأزمة من بعدها العسكري إلى بعدها الاقتصادي العالمي.

ويؤكد خبراء أن أي محاولة لتعطيل الملاحة في المضيق لن تستهدف السعودية أو دول المنطقة وحدها، وإنما ستصيب الاقتصاد العالمي بأكمله، نظراً لاعتماد الأسواق الدولية على استقرار هذا الممر البحري الحيوي.

وحذر كبير استراتيجيي الأسواق المالية في شركة "إكسنس" (Exness)، وائل مكارم، من أن أي اضطرابات متزامنة في مضيقي هرمز وباب المندب ستؤدي إلى ضغوط غير مسبوقة على سلاسل الإمداد العالمية، مشيراً إلى أن النتيجة المباشرة ستكون ارتفاع أسعار النفط، وانخفاض توافر ناقلات الخام، وزيادة تكاليف التأمين البحري، فضلاً عن ارتفاع أجور الشحن البحري.

وأوضح أن شركات النقل ستضطر إلى إعادة توجيه السفن عبر رأس الرجاء الصالح في أقصى جنوب أفريقيا، وهو طريق أطول بكثير من المرور عبر البحر الأحمر وقناة السويس، ما يعني زيادة زمن الرحلات البحرية لأكثر من أسبوعين في بعض الحالات، وارتفاع استهلاك الوقود وتكاليف التشغيل، وهو ما سينعكس في نهاية المطاف على أسعار السلع للمستهلكين حول العالم.

حادث واحد قد يربك الأسواق

من جانبه، يرى خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي أن الخطر الحقيقي لا يكمن في إعلان إغلاق المضيق رسمياً، وإنما في مجرد وقوع حادث أمني محدود ضد ناقلة نفط، لأن أسواق الطاقة تبني أسعارها على مستوى المخاطر وليس على حجم الأضرار الفعلية.

وأوضح أن تعرض ناقلة أو ناقلتين لهجوم بطائرة مسيرة أو زورق مفخخ سيكون كافياً لإثارة الذعر في الأسواق العالمية، ودفع أسعار النفط إلى الارتفاع بصورة حادة، حتى لو لم يكن الهجوم جزءاً من قرار رسمي للحوثيين.

وأشار إلى أن التجارب السابقة أثبتت أن رد فعل الأسواق غالباً ما يكون أكبر من الحدث نفسه، لأن المستثمرين وشركات الشحن يتعاملون مع احتمالات توسع المخاطر أكثر من تعاملهم مع الوقائع العسكرية المحدودة.

ولفت الحجي إلى أن العامل الأخطر يتمثل في قرارات شركات التأمين العالمية، موضحاً أن أزمة مضيق هرمز السابقة لم تكن نتيجة إغلاق عسكري مباشر، وإنما بسبب امتناع شركات التأمين الأوروبية عن إصدار وثائق تأمين للسفن العاملة في المنطقة، الأمر الذي أدى عملياً إلى شلل حركة الملاحة.

وأوضح أن تكرار السيناريو نفسه في باب المندب سيكون أكثر خطورة، إذ قد تمتنع شركات التأمين عن تغطية السفن العابرة للمضيق بمجرد ارتفاع مستوى المخاطر الأمنية، وهو ما سيجبر كثيراً من شركات الشحن على تعليق رحلاتها أو تغيير مساراتها، حتى دون صدور قرار رسمي بإغلاق المضيق.

وأكد أن تكلفة التأمين البحري قد ترتفع إلى مستويات قياسية، وهو ما سيضاعف تكاليف نقل النفط والبضائع ويؤثر في أسعار السلع العالمية، ويزيد الضغوط التضخمية على الاقتصادات المستوردة للطاقة.

السعودية الأكثر تأثراً.. وروسيا قد تستفيد

وأشار الحجي إلى أن السعودية ستكون من أكثر الدول تأثراً إذا توقفت شركات التأمين الغربية عن تغطية السفن العابرة لباب المندب، رغم امتلاكها خط أنابيب الشرق – الغرب الذي يتيح نقل نحو سبعة ملايين برميل يومياً إلى موانئها على البحر الأحمر.

وأوضح أن ما يقارب خمسة ملايين برميل يومياً من هذه الكميات تُشحن من الموانئ الغربية باتجاه الأسواق الآسيوية، وهو ما يجعل استمرار الملاحة عبر باب المندب ضرورة أساسية لضمان وصول الإمدادات إلى وجهاتها.

في المقابل، توقع أن يكون النفط الروسي من أبرز المستفيدين من الأزمة، نظراً لاعتماده على منظومات تأمين وشحن غير غربية، ما يمنحه قدرة أكبر على مواصلة التصدير في حال انسحاب شركات التأمين الأوروبية، فضلاً عن استفادته من ارتفاع الأسعار العالمية دون الحاجة إلى زيادة الإنتاج.

ولا تقتصر تداعيات أي اضطراب في باب المندب على تجارة النفط فقط، إذ تمر عبر المضيق نسبة كبيرة من تجارة الحاويات والبضائع بين آسيا وأوروبا، الأمر الذي يعني أن أي إغلاق أو تراجع في حركة الملاحة سيرفع أسعار الشحن البحري ويؤخر وصول السلع والمواد الخام إلى الأسواق العالمية.

كما سيؤثر ذلك على حركة التجارة عبر قناة السويس، ويزيد من الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية التي لم تتعافَ بالكامل من تداعيات الأزمات الدولية المتلاحقة، بما في ذلك جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا.

ويرى مراقبون أن التهديدات الحوثية بإغلاق باب المندب تمثل تصعيداً يتجاوز الساحة اليمنية، إذ تضع الاقتصاد العالمي أمام مخاطر جديدة، وتؤكد أن أمن هذا الممر البحري لم يعد قضية إقليمية، بل أصبح عنصراً محورياً في استقرار أسواق الطاقة والتجارة الدولية، فيما سيحدد أي تصعيد ميداني خلال الفترة المقبلة اتجاه أسعار النفط، ومستقبل الملاحة في أحد أكثر الممرات الاستراتيجية حساسية في العالم.