الصحة بين الإهمال والاستثمار.. كيف تحول العلاج في اليمن من حق إلى رفاهية؟
الجنوب - منذ ساعة و 17 دقيقة
عدن نيوزيمن، خاص:
عندما حمل المواطن عبدالعزيز ابنه ذي الأعوام السبعة إلى أحد المستشفيات الحكومية في عدن بعد ارتفاع حرارته بشكل حاد، كان يعتقد أن الأمر لن يتجاوز ساعات قليلة من الفحص والعلاج. لكن ما حدث كان بداية رحلة شاقة بين أبواب المستشفيات والمراكز الطبية الخاصة انتهت بفاتورة علاج استنزفت ما تبقى من مدخرات الأسرة.
يقول الرجل بحسرة: "لم نجد الطبيب المختص، والأجهزة المطلوبة غير متوفرة، وحتى بعض الفحوصات الأساسية طُلب منا إجراؤها خارج المستشفى. في النهاية اضطررنا للذهاب إلى مستشفى خاص لأن حالة الطفل كانت تتدهور".
قصة عبدالعزيز ليست استثناء بل نموذجاً متكرراً لآلاف المواطنين في المحافظات المحررة الذين أصبحوا يواجهون واقعاً صحياً بالغ القسوة، يتمثل في تراجع الخدمات الطبية الحكومية مقابل التوسع المتسارع للقطاع الصحي الخاص الذي يقدم خدماته بتكاليف تفوق قدرة معظم الأسر على الاحتمال.
من المستفيد من انهيار المستشفيات الحكومية؟
في جولة ميدانية داخل عدد من المستشفيات الحكومية، تتكرر الشكاوى ذاتها: نقص في الأدوية، أعطال في الأجهزة، ازدحام شديد، تراجع مستوى الخدمات، وقوائم طويلة من الاحتياجات غير المتوفرة.
داخل أحد أقسام الطوارئ، جلس عشرات المرضى ينتظرون دورهم وسط بيئة تعاني من نقص الإمكانات. وفي أقسام أخرى، يؤكد مراجعون أنهم يُجبرون على شراء الأدوية والمستلزمات الطبية من الصيدليات الخارجية، أو إجراء الفحوصات في مراكز خاصة بسبب عدم توفرها داخل المستشفى.
هذه المشاهد تطرح سؤالاً مشروعاً: كيف تحولت المؤسسات الصحية الحكومية التي أُنشئت لخدمة المواطنين إلى مرافق عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الرعاية الطبية؟
ويرى مختصون في القطاع الصحي أن سنوات الحرب والأزمات الاقتصادية وتراجع التمويل الحكومي، أسهمت في إضعاف قدرات المستشفيات العامة. إلا أن مواطنين يتساءلون أيضاً عن أسباب استمرار هذا التدهور رغم المساعدات والدعم الذي تلقاه القطاع الصحي خلال السنوات الماضية.
القطاع الخاص يملأ الفراغ
بالتوازي مع تراجع أداء المستشفيات الحكومية، شهدت المدن الرئيسية في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة نمواً لافتاً في عدد المستشفيات والمراكز الطبية الخاصة.
ففي شوارع عدن والمكلا ومأرب وغيرها من المدن، تكاد اللافتات الطبية الخاصة تنافس المحال التجارية في الانتشار، في مشهد يعكس حجم الطلب المتزايد على الخدمات الصحية خارج القطاع الحكومي.
يقول أحد المواطنين: "أصبحت المستشفيات الخاصة الخيار الوحيد تقريباً أمام المرضى، حتى في الحالات البسيطة".
لكن هذا الخيار لا يأتي مجاناً. فمجرد معاينة الطبيب قد تستهلك جزءاً كبيراً من دخل الأسرة اليومي، فيما ترتفع التكلفة بصورة أكبر مع الفحوصات المخبرية والأشعة والأدوية والعمليات الجراحية والإقامة داخل المستشفى.
العلاج يتحول إلى أزمة مالية
في منزل متواضع بأحد أحياء عدن، تروي أم محمد معاناتها مع مرض زوجها المزمن.
تقول: "ننفق شهرياً جزءاً كبيراً من دخلنا على العلاج والفحوصات. أحياناً نؤجل شراء احتياجات المنزل حتى نوفر تكاليف الدواء".
أما عبدالله، وهو موظف حكومي، فيؤكد أنه اضطر إلى الاقتراض أكثر من مرة لتغطية تكاليف علاج أحد أفراد أسرته.
ويضيف: "أصبح المرض مخيفاً ليس بسبب الألم فقط، بل بسبب التكلفة التي لا يستطيع المواطن تحملها".
وتشير شهادات مواطنين إلى أن بعض الأسر تلجأ إلى بيع ممتلكاتها أو الاستدانة أو طلب المساعدة من الأقارب لتغطية تكاليف العلاج، بينما يضطر آخرون إلى تأجيل العلاج أو إلغائه بالكامل بسبب العجز المالي.
بين الحاجة الإنسانية والاستثمار الطبي
لا خلاف على أهمية الدور الذي يؤديه القطاع الصحي الخاص في تقديم الخدمات الطبية وتوفير التخصصات الحديثة التي تحتاجها المجتمعات.
لكن خبراء يرون أن المشكلة تبدأ عندما يصبح المواطن مجبراً على اللجوء إلى القطاع الخاص بسبب غياب البديل الحكومي القادر على أداء دوره.
ويؤكد مختصون أن غياب المنافسة الحقيقية الناتجة عن ضعف القطاع العام يمنح المؤسسات الخاصة مساحة أوسع للتحكم بالسوق الصحية، في ظل محدودية الخيارات المتاحة أمام المرضى.
كما تبرز تساؤلات متزايدة حول آليات الرقابة على أسعار الخدمات الطبية، ومدى توافقها مع الواقع الاقتصادي للمواطنين الذين يعيشون واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والمعيشية في العالم.
أين يذهب المرضى الفقراء؟
السؤال الأكثر إيلاماً لا يتعلق بمن يستطيع دفع تكاليف العلاج، بل بمن لا يستطيع.
ففي ظل ارتفاع نسب الفقر وتراجع القدرة الشرائية وانقطاع أو تأخر الرواتب في بعض القطاعات، يجد آلاف المرضى أنفسهم أمام خيارات قاسية: إما العلاج بتكاليف تفوق إمكاناتهم، أو التعايش مع المرض وانتظار المجهول.
ويؤكد عاملون في المجال الإنساني أن الفئات الأشد فقراً أصبحت الأكثر تضرراً من تراجع الخدمات الحكومية، نظراً لاعتمادها الكامل على المستشفيات العامة وعدم قدرتها على تحمل تكاليف القطاع الخاص.
أزمة تتجاوز الصحة
لا تقف تداعيات تراجع الخدمات الطبية عند حدود المرضى فقط، بل تمتد إلى المجتمع بأكمله.
فكل أسرة تضطر إلى استنزاف دخلها في العلاج ستقل قدرتها على توفير الغذاء والتعليم والسكن ومتطلبات الحياة الأخرى، ما يؤدي إلى تعميق دوائر الفقر والهشاشة الاجتماعية.
ويرى اقتصاديون أن الإنفاق الصحي الطارئ أصبح أحد أبرز العوامل التي تستنزف موازنات الأسر اليمنية، خصوصاً في ظل الانهيار المستمر للقدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية.
ختاماً..
بين مستشفيات حكومية تعاني من نقص الإمكانات، ومؤسسات خاصة تتوسع بوتيرة متسارعة، يقف المواطن وحيداً في مواجهة معركة مزدوجة مع المرض والفقر.
ورغم أن الرعاية الصحية حق أساسي تكفله القوانين والمواثيق الإنسانية، إلا أن آلاف اليمنيين باتوا ينظرون إلى العلاج باعتباره رفاهية يصعب الوصول إليها لا خدمة عامة يفترض أن تكون متاحة للجميع.
وفي ظل استمرار هذا الواقع، تبقى الأسئلة مفتوحة: هل تستعيد المستشفيات الحكومية قدرتها على أداء دورها؟ وهل تنجح الجهات المختصة في تحقيق التوازن بين الاستثمار الطبي وحق المواطنين في العلاج؟ أم أن المرض سيظل بالنسبة لكثير من الأسر اليمنية حكماً إضافياً بالفقر والمعاناة؟
>
