د. علي النعيمي

د. علي النعيمي

تابعنى على

الدروس الكبرى من الأزمة الأمريكية الإيرانية

منذ ساعة و 4 دقائق

لا تُقاس أهمية الأزمات بما يقع فيها من أحداث فحسب، بل بما تكشفه من حقائق، وما تفرضه من مراجعات، وما تتركه من دروس للدول والشعوب وصناع القرار. والأزمة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي انتهت بإعلان مذكرة تفاهم تمهد لمسار تفاوضي جديد، ليست استثناءً من ذلك.

لقد عاشت المنطقة أشهراً من التوتر، والتصعيد العسكري، والتهديد للملاحة الدولية، والقلق على أسواق الطاقة العالمية. ثم انتهى المشهد، كما انتهت أزمات كثيرة قبله، إلى طاولة تفاوض واتفاق إطار. وهنا يبرز السؤال الأهم: ماذا تعلمنا؟

أول الدروس أن الحروب مهما بلغت حدتها لا تلغي الحاجة إلى السياسة. فالقوة العسكرية قد تفرض معادلات جديدة، وقد تغير موازين التفاوض، لكنها نادراً ما تقدم حلولاً دائمة. وفي النهاية يعود الجميع إلى الحوار، سواء بعد أيام أو أشهر أو سنوات. ولذلك فإن الاستثمار في الدبلوماسية ليس علامة ضعف، بل تعبير عن نضج الدولة وثقتها بنفسها وقدرتها على إدارة الأزمات بعقلانية.

الدرس الثاني أن أمن المنطقة لا يمكن أن يبقى رهينة للصراعات الأيديولوجية أو المشاريع التوسعية. لقد أثبتت التجربة أن الدول التي تجعل من الاستقرار والتنمية أولوية تحقق لشعوبها ما لا تحققه شعارات الصراع الدائم. فالتنمية تحتاج إلى بيئة مستقرة، والاستثمار يحتاج إلى الثقة، والمستقبل يحتاج إلى رؤية تتجاوز الحسابات الآنية.

أما الدرس الثالث فهو أن الاقتصاد أصبح أحد أهم أدوات القوة في العصر الحديث. فمجرد الحديث عن إغلاق مضيق هرمز أو تعطيل حركة التجارة العالمية كان كفيلاً بإحداث اضطراب واسع في الأسواق. ثم جاء الإعلان عن إعادة فتح الممرات البحرية ليؤدي إلى تراجع أسعار النفط وارتياح الأسواق العالمية. وهذا يؤكد أن أمن الممرات البحرية لم يعد قضية إقليمية، بل أصبح جزءاً من الأمن الاقتصادي العالمي. 

والدرس الرابع أن الردع لا يتناقض مع السلام. فالدول التي تسعى إلى السلام الحقيقي هي ذاتها التي تدرك أهمية امتلاك عناصر القوة القادرة على حماية هذا السلام. التجارب الدولية تثبت أن السلام المستدام لا يقوم على النوايا الحسنة وحدها، بل على توازن يمنع المغامرات ويجعل كلفة التصعيد أعلى من مكاسبه.

الدرس الخامس أن الأزمات الكبرى تكشف قيمة الدولة الوطنية. فعندما تتعرض المنطقة للاهتزاز، يعود الناس إلى مؤسسات الدولة طلباً للأمن والاستقرار والحماية. وتسقط أمام الواقع كثير من الشعارات العابرة للحدود التي عجزت عن تقديم نموذج ناجح للحكم أو التنمية أو الاستقرار.

ومن أهم الدروس أيضاً أن المنطقة بحاجة إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة أسبابها. فكل هدنة مؤقتة تحمل في داخلها احتمال أزمة جديدة إذا بقيت الجذور السياسية والأمنية والاقتصادية دون معالجة. لذلك فإن نجاح أي اتفاق لا يقاس بعدد الأيام التي يصمد فيها، بل بقدرته على معالجة الأسباب التي أنتجت الصراع من الأساس.

كما تؤكد هذه الأزمة أن القوى الإقليمية لم تعد مجرد متلقية للقرارات الدولية، بل أصبحت أطرافاً مؤثرة في صناعة التفاهمات وترتيب مسارات التهدئة. وهذا يفرض على دول المنطقة مسؤولية أكبر في بناء منظومة أمن إقليمي تقوم على احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وحسن الجوار.

أما الدرس الأخير فهو أن الشعوب هي الأكثر تضرراً من الصراعات والأكثر استفادة من السلام. فبينما تنشغل القوى السياسية بحسابات النفوذ والتوازنات، يدفع المواطن العادي ثمن الحروب من أمنه واقتصاده ومستقبله. ولهذا فإن أي مشروع سياسي لا يجعل الإنسان محوراً له سيبقى مشروعاً ناقصاً مهما امتلك من أدوات القوة.

إن مذكرة التفاهم الأخيرة قد تكون بداية مرحلة جديدة، وقد تكون مجرد محطة في مسار طويل ومعقد. لكن الثابت أن المنطقة تحتاج اليوم إلى رؤية مختلفة. رؤية تجعل التنمية أولوية، والاستقرار هدفاً، والدولة الوطنية أساساً، والسلام خياراً استراتيجياً لا تكتيكاً مؤقتاً.

فالدرس الأهم الذي ينبغي ألا ننساه هو أن مستقبل الشرق الأوسط لا يبنى بالحروب المتكررة، بل ببناء الثقة، واحترام السيادة، وإطلاق طاقات الشعوب نحو التنمية والازدهار. وعندما تصبح هذه القيم هي الحاكمة للعلاقات الإقليمية، يمكن للمنطقة أن تنتقل من دائرة الأزمات إلى أفق الاستقرار االمستدام .

من صفحة الكاتب على إكس