اليوم العالمي لحرية الصحافة في اليمن.. واقع مأزوم ومستقبل غامض
السياسية - منذ ساعة و 16 دقيقة
عدن، نيوزيمن، خاص:
يحلّ اليوم العالمي لحرية الصحافة في الثالث من مايو هذا العام، بينما يعيش الصحفيون في اليمن واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا وخطورة منذ اندلاع الحرب، في ظل تدهور ممنهج في بيئة العمل الإعلامي، وتوسع دائرة الانتهاكات التي تطال العاملين في المجال الصحفي في مختلف مناطق البلاد.
ويعكس هذا التدهور تآكلًا متسارعًا للحماية المفترضة للصحفيين، حيث لم يعد العمل الإعلامي يواجه فقط مخاطر النزاع التقليدية، بل أصبح يتعرض لانتهاكات جسيمة تشمل الاعتقال التعسفي، والقتل خارج نطاق القانون، والمحاكمات غير العادلة، فضلًا عن استخدام القوانين المحلية كأداة لتقييد حرية التعبير وإسكات الأصوات المستقلة.
وتُصنّف اليمن ضمن أبرز بؤر الانتهاكات ضد الصحفيين في المنطقة، في ظل بيئة أمنية وسياسية معقدة تتداخل فيها سلطات متعددة وأطراف مسلحة، ما يجعل العمل الصحفي محفوفًا بالمخاطر المستمرة.
وتشير بيانات حقوقية إلى مقتل 31 عاملًا في المجال الإعلامي في هجوم استهدف مركزًا إعلاميًا تابعًا لجماعة الحوثي في سبتمبر/أيلول 2025، إلى جانب استمرار حوادث الاعتقال التعسفي والملاحقات القضائية غير العادلة في عدة مناطق.
كما تؤكد تقارير حقوقية أن الانتهاكات لم تعد تقتصر على القتل والاحتجاز، بل امتدت إلى أنماط أكثر خطورة تشمل التصفية الجسدية، والاغتيال المعنوي، واستخدام أدوات مثل التجويع والترهيب والعنف القائم على النوع الاجتماعي، في بيئة تتراجع فيها معايير الحماية بشكل لافت.
وتُحذّر تقارير دولية من أن عام 2026 يمثل مرحلة حرجة في ملف حرية الصحافة عالميًا وإقليميًا، مع ما يوصف بتآكل “الحصانة الدولية” التي كانت توفر حدًا أدنى من الحماية للعاملين في الإعلام.
وتشير هذه التقارير إلى أن استمرار الانتهاكات دون محاسبة، إلى جانب الصمت الدولي، ساهم في خلق بيئة تسمح بتكرار الجرائم بحق الصحفيين، بما في ذلك الاستهداف المباشر والاعتداءات الجسدية والمعنوية، ما يضع مستقبل حرية الصحافة أمام تحديات غير مسبوقة.
كما تواجه الصحفيات مخاطر مضاعفة، تشمل القمع السياسي، والعنف القائم على النوع الاجتماعي، والتهديدات الرقمية، في ظل بيئة عمل تتسم بالإفلات شبه الكامل من العقاب.
وحذّرت نقابة الصحفيين اليمنيين من تدهور غير مسبوق في أوضاع الصحافة في البلاد، مؤكدة أن بيئة العمل الإعلامي باتت “مقيّدة وغير آمنة”، في ظل تصاعد الانتهاكات وتفاقم الضغوط المهنية والمعيشية.
وأوضحت النقابة أن الصحفيين يواجهون ملاحقات أمنية، وتدخلات مباشرة في المحتوى الإعلامي، إلى جانب ضغوط اقتصادية خانقة، أدت إلى تراجع حاد في الأمان الوظيفي والمعيشي، في ظل هشاشة المؤسسات الإعلامية والانقسام السياسي المستمر.
وأضافت أن الأوضاع المعيشية للصحفيين تشهد انهيارًا متسارعًا نتيجة تدني الأجور، وغياب الحماية الاجتماعية، وانعدام الاستقرار الوظيفي، ما انعكس بشكل مباشر على قدرة الإعلاميين على أداء مهامهم باستقلالية. كما عبّرت النقابة عن قلق بالغ إزاء ما يتعرض له الصحفيون من حملات تهديد وملاحقات، مؤكدة وجود تسعة صحفيين لا يزالون رهن الاحتجاز، بينهم من تعرض للاختفاء القسري منذ سنوات، إضافة إلى آخرين يعانون أوضاعًا صحية وإنسانية صعبة.
ودعت النقابة إلى الإفراج الفوري عن جميع الصحفيين المحتجزين، ووقف كافة أشكال الانتهاكات بحقهم، وضمان سلامتهم، مشددة على ضرورة إنهاء استخدام القضاء كأداة للضغط السياسي، وتعزيز استقلاليته لحماية حرية التعبير.
ودعا المركز الأمريكي للعدالة (ACJ) إلى إنهاء ما وصفه بـ”القمع الممنهج ضد الصحفيين في اليمن”، مطالبًا بالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين، في ظل استمرار الانتهاكات بحق العاملين في المجال الإعلامي.
وأوضح المركز أن الصحفيين في اليمن يواجهون مخاطر متزايدة نتيجة ممارسات متعددة الأطراف، تتقاطع جميعها في تقييد حرية التعبير وتغييب الصوت الإعلامي المستقل. وأشار إلى تدهور الحالة الصحية لبعض الصحفيين المعتقلين، لافتًا إلى أن حرمانهم من الرعاية الطبية يشكل انتهاكًا خطيرًا يرقى إلى مستوى التعذيب، محملًا الجهات المسيطرة المسؤولية الكاملة عن سلامتهم.
كما شدد المركز على ضرورة الانتقال من بيانات الإدانة إلى إجراءات عملية، تشمل الإفراج غير المشروط عن جميع الصحفيين، وضمان الرعاية الصحية العاجلة للمحتجزين، وتنفيذ قرارات القضاء ذات الصلة. ودعا إلى إدراج الانتهاكات ضد الصحفيين في اليمن ضمن آليات التحقيق الدولية، لضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من العقاب، مؤكدًا أن حماية الصحفيين تمثل شرطًا أساسيًا لبقاء الحقيقة واستمرار العمل الإعلامي الحر.
في موازاة ذلك، تتباين الرؤى حول دور الإعلام في ظل الصراع، حيث يشير مراقبون إلى أن الصحافة في اليمن لم تعد مجرد ناقل للأحداث، بل أصبحت طرفًا فاعلًا في تشكيل الوعي العام، في بيئة سياسية وأمنية شديدة التعقيد.
وتؤكد جهات إعلامية أن التحدي لا يقتصر على حرية النشر، بل يمتد إلى مسؤولية الخطاب الإعلامي، بما يضمن عدم الانزلاق نحو التحريض أو تعميق الانقسام، خاصة في ظل بيئة اجتماعية هشة تتأثر سريعًا بالمحتوى الإعلامي.
وشددت نقابة الصحفيين والإعلاميين الجنوبيين على أن الإعلام لم يعد مجرد ناقل للأحداث، بل أصبح فاعلًا في تشكيل الوعي وصناعة الرأي العام، محذرة من استخدامه كأداة للتحريض أو الانقسام.
وأكدت النقابة أهمية تحقيق التوازن بين حرية الصحافة والمسؤولية المهنية، داعية إلى الالتزام بالدقة وتجنب الخطاب التحريضي، وتعزيز دور الإعلام في دعم الاستقرار والتماسك المجتمعي.
وتجمع التقارير الحقوقية والنقابية على أن المشهد الإعلامي في اليمن يواجه أزمة مركبة، تتداخل فيها العوامل السياسية والأمنية والاقتصادية، ما يجعل مستقبل حرية الصحافة مرهونًا بتغيرات جذرية في بيئة الصراع.
وفي ظل استمرار الانتهاكات وتراجع آليات الحماية، يبقى الصحفي اليمني في مواجهة مباشرة مع مخاطر متصاعدة، في بلد يعيش واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا على مستوى العالم.
>
