القطاع الصحي في مناطق المليشيا تدمير ممنهج وتغييب للكفاءات مستشفى 48 انموذجًا

السياسية - منذ ساعتان و 18 دقيقة
صنعاء، نيوزيمن، خاص:

في ظل التحولات التي شهدها القطاع الصحي تكشفت معطيات متقاطعة من مصادر ميدانية وشهادات عاملين عن نمط ممنهج من إعادة تشكيل المؤسسات الصحية، تداخل فيه البعد السياسي مع الإداري والمالي، وسط اتهامات وقرائن بتراجع المعايير والكفاءة، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي.

مستشفى 48.. من مرفق مجاني إلى أداة إيرادات

يبرز مستشفى 48 كأحد أبرز النماذج على هذا التحول، فقد كان انموذجًا استثنائي لتقديم خدمات طبية مجانية بالكامل، دون نظام محاسبي أو تحصيل رسوم. هذا النموذج تغير جذرياً، وفق مصادر خاصة، مع انتقال الإدارة نحو التركيز على تحقيق الإيرادات، خاصة في الأقسام ذات العائد المرتفع مثل العظام، الذي تشير تقديرات غير رسمية إلى تحقيقه دخلاً شهرياً كبيراً يتجاوز ال60 مليون خلال ثلاثة أشهر فقط.

هذا التحول ترافق، بحسب شهادات عاملين، مع تراجع في جودة الخدمات، وزيادة الضغط على عدد محدود من الأطباء، في ظل إلغاء الحوافز والبدلات، وفرض أنماط عمل قسرية مرتبطة بالتهديد بقطع الرواتب، كما تحدثت المصادر عن وجود تدخلات وعبث ممنهج ببنية المستشفى، ضمن سياق أوسع لإعادة توظيفه مالياً، بما في ذلك طرحه للدمج ضمن مشاريع ذات طابع جامعي وعسكري، مع إثارة تساؤلات حول استخدام موارده في تمويل هذه التحولات.

الإقصاء الوظيفي ومنح الامتيازات على أساس الولاء

تشير المعطيات إلى أن المرحلة الأخيرة شهدت عمليات إقصاء واسعة طالت غالبية الكوادر المهنية في القطاع الصحي، لم يتبقى سوى عدد محدود من العاملين، بالمقابل تم تعيين أفراد في مناصب قيادية دون امتلاكهم المؤهلات اللازمة ومنحهم رتباً عسكرية وألقاباً أكاديمية.

وتُظهر الشهادات أن بعض هؤلاء الأفراد حصلوا على رتب مثل عميد وألقاب دكتور دون مسار مهني أو علمي واضح، في خطوة تُفسر على أنها تكريس لمعيار الولاء على حساب الكفاءة المهنية.

سياسات التضييق الوظيفي وإجبار الكفاءات على المغادرة

تعرض العاملون في القطاع الصحي لسلسلة من الإجراءات التي وصفت بالمجحفة، شملت تخفيض الرواتب، وإلغاء العلاوات والمستحقات، وإيقاف الحوافز والبدلات، ورغم الإبقاء على الحد الأدنى من الرواتب، تشير مصادر متعددة إلى أن هذه الإجراءات جاءت ضمن سياسة ضغط ممنهجة لدفع الكفاءات إلى مغادرة وظائفها.

وبحسب الشهادات، اضطر العديد من الأطباء والعاملين إلى ترك مواقعهم، إما حفاظاً على كرامتهم المهنية أو بحثاً عن فرص بديلة، بعد أن فقدت بيئة العمل مقومات الاستقرار والعدالة.

صعود قيادات غير متخصصة وتأثيرها على الأداء الصحي

برزت خلال الفترة الأخيرة ظاهرة تعيين قيادات حوثية في مؤسسات صحية دون خلفيات تخصصية مناسبة، ما انعكس بشكل مباشر على جودة الإدارة الصحية وتشير الروايات إلى أن معايير الاختيار استندت في كثير من الحالات إلى الانتماء والولاء، بدلاً من الخبرة والكفاءة، الأمر الذي ساهم في تراجع الأداء المؤسسي وغياب المعايير المهنية.

إعادة توظيف المؤسسات الصحية ضمن مشاريع موازية

في سياق إعادة تشكيل القطاع، تتحدث مصادر عن توجه لدمج بعض المنشآت الصحية ضمن كيانات جديدة ذات طابع تعليمي أو عسكري، وقد أثارت هذه الخطوات جدلاً واسعاً خاصة مع الإشارة إلى استخدام موارد هذه المؤسسات نفسها في تمويل عمليات التحول، ما يطرح تساؤلات حول الشفافية وآليات إدارة الأموال العامة.

جامعة 21 سبتمبر وأزمة الاعتراف الأكاديمي

ضمن هذه التحولات، برزت جامعة 21 سبتمبر كأحد الكيانات التي أُنشأت في هذا السياق، إلا أنها تواجه رفضاً رسمياً للاعتراف بها من قبل وزارة التعليم العالي، ما أدى إلى أزمة حقيقية للطلاب الخريجين، الذين وجدوا أنفسهم في وضع قانوني وأكاديمي غير محسوم.

تصفية الحلفاء وإعادة تدوير الصراع

من اللافت ووفق الشهادات، بأن بعض الأفراد الذين شاركوا في تنفيذ هذه السياسات لم يسلموا من الإقصاء لاحقاً، حيث تعرضوا للسجن أو الإقامة الجبرية أو الملاحقة، ويعكس ذلك نمطاً متكرراً يتمثل في الاستفادة من الأفراد مرحلياً، قبل إقصائهم بوسائل مختلفة ضمن إعادة ترتيب مراكز النفوذ.

تكشف هذه المعطيات عن صورة مركبة لواقع القطاع الصحي، تتداخل فيه عوامل الإقصاء السياسي، وسوء الإدارة، وإعادة توظيف المؤسسات، مع تراجع جودة الخدمات، ويظل مستشفى 48 مثالاً على هذا التحول، من نموذج خدمي مجاني إلى كيان تحكمه اعتبارات الإيرادات وسياسية ميليشيا الحوثي، في ظل تساؤلات حول مستقبل الرعاية الصحية وإمكانية استعادة توازنها بين البعد الإنساني والاعتبارات التشغيلية.