من التبرير إلى القمع.. نهج حوثي لمواجهة مطالب صرف المرتبات

السياسية - منذ 3 ساعات و 43 دقيقة
صنعاء، نيوزيمن، خاص:

تتفاقم معاناة ملايين الموظفين في المناطق الخاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي، مع استمرار انقطاع المرتبات للعام العاشر على التوالي، دون أي مؤشرات حقيقية على حلول قريبة أو إنهاء عملية النهب والعبث الذي تمارسه قيادات الميليشيات للمال العام والإيردات الرئيسية.

وبينما تتزايد المطالب الشعبية بصرف المستحقات المالية، تتجه الجماعة إلى تصعيد أدواتها الأمنية، عبر حملات اعتقال وملاحقة تطال الأصوات المطالِبة بالحقوق، ما يعكس تحوّل ملف الرواتب من قضية خدمية إلى ملف أمني وسياسي بامتياز.

هذا التحول يعكس، وفق مراقبين، نمطاً متصاعداً في إدارة الأزمة، حيث لم تعد الميليشيات تكتفي بتبرير عدم صرف الرواتب بعوامل خارجية، بل باتت تتعامل مع المطالب الحقوقية باعتبارها تهديداً لسلطتها، خصوصاً في ظل تزايد الضغوط الشعبية الناتجة عن تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة وانعدام مصادر الدخل لدى شريحة واسعة من السكان.

وخلال الساعات الماضية أقدمت ميليشيا الحوثي على اختطاف معلم في محافظة حجة، في حادثة تعكس حجم التضييق على الحريات، حتى في أبسط أشكال التعبير المرتبطة بالحقوق المعيشية.

وذكرت مصادر محلية أن مسلحين تابعين للميليشيات اقتحموا منزل المعلم "حمود نور" في منطقة الحراجيج بمديرية كعيدنة، في عملية نُفذت بطريقة مفاجئة وأثارت حالة من الذعر بين أفراد أسرته، خصوصاً الأطفال، قبل أن يقوموا بالاعتداء عليه بالضرب وتقييده واقتياده إلى جهة مجهولة.

وأوضحت المصادر أن سبب الاختطاف يعود إلى منشورات نشرها المعلم على موقع "فيسبوك"، دعا فيها إلى صرف رواتب المعلمين المتوقفة، وهو ما اعتبرته الجماعة تجاوزاً غير مقبول، في مؤشر واضح على حساسية هذا الملف لدى سلطات الأمر الواقع.

وتعكس هذه الحادثة، بحسب ناشطين، توجهاً متصاعداً نحو تجريم المطالب الحقوقية، حيث باتت الدعوة لصرف الرواتب تُقابل بإجراءات قمعية، بدلاً من التعامل معها كحق مشروع تكفله القوانين.

بالتوازي مع ذلك، تتزايد حدة الانتقادات الشعبية الموجهة للجماعة، مع تراجع فاعلية الخطاب الذي يربط أزمة الرواتب بـ"الحصار والعدوان"، في ظل مرور سنوات طويلة دون حلول. 

ويرى ناشطون أن استمرار هذا الخطاب لم يعد مقنعاً، خاصة مع وجود موارد وإيرادات محلية يُعتقد أنها لا تُوجّه نحو صرف المرتبات، ما يثير تساؤلات واسعة حول أولويات الإنفاق لدى الجماعة.

وأكد الناشط زيد الكبسي أن الراتب "حق دستوري وقانوني"، وليس منّة أو مساعدة، مشيراً إلى أن بقاء الموظفين لسنوات طويلة دون دخل ثابت يمثل انتهاكاً واضحاً لحقوقهم الأساسية.

وأضاف أن التدهور الكبير في قيمة الدخل يعكس حجم الكارثة الاقتصادية، حيث تراجع متوسط دخل الموظف من نحو 500 دولار قبل عام 2014 إلى ما يقارب 50 دولاراً أو أقل في الوقت الحالي، ما يعني فقدان القدرة على تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

كما لفت إلى أن هذا الوضع دفع كثيراً من الأسر إلى الاعتماد على المساعدات أو الأعمال غير المستقرة، في ظل غياب أي شبكة أمان اجتماعي حقيقية.

في المقابل، يحمّل بعض الناشطين المجتمع نفسه جزءاً من المسؤولية، مشيرين إلى أن حالة الصمت والخوف ساهمت في استمرار الأزمة.

وقال الناشط التربوي صالح الضبياني إن عدم تحرك الموظفين للمطالبة بحقوقهم، حتى على مستوى التعبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، شجع على تمادي السلطات في التعامل مع ملف الرواتب باستخفاف.

وأوضح أن تأخر صرف حتى "نصف راتب" لشهر فبراير حتى منتصف أبريل يعكس حالة غير مسبوقة من التدهور، متسائلاً عن مدى إمكانية استمرار هذا الوضع دون رد فعل مجتمعي. وأضاف أن الخوف من القمع أو فقدان الوظيفة جعل كثيراً من الموظفين يفضلون الصمت، رغم إدراكهم لحجم الظلم الواقع عليهم، وهو ما أضعف أي محاولات للضغط الجماعي.

ويرى الكاتب والسياسي نايف القانص أن أزمة الرواتب لم تعد مجرد نتيجة للحرب أو نقص الموارد، بل تحولت إلى سياسة ممنهجة تهدف إلى إعادة تشكيل المجتمع الوظيفي. وأشار إلى وجود ما يشبه "التصنيف الطبقي" داخل الجهاز الإداري، حيث تحصل فئات محددة على رواتب كاملة وامتيازات متعددة، تشمل السكن والمخصصات والمركبات، في حين يتم تهميش الغالبية وحرمانها من أبسط حقوقها.

وبحسب هذا الطرح، فإن الوظيفة العامة لم تعد قائمة على الكفاءة أو الاستحقاق، بل على درجة الولاء، ما أدى إلى إفراغ مؤسسات الدولة من مضمونها وتحويلها إلى أدوات للسيطرة.

كما انتقد القانص الخطاب الرسمي الذي يربط استمرار الأزمة بظروف الحرب، معتبراً أن هذا التبرير لم يعد مقنعاً في ظل وجود إنفاق واضح في مجالات أخرى لا ترتبط باحتياجات المواطنين الأساسية.

ومع استمرار هذه السياسات، تتجه الأوضاع المعيشية نحو مزيد من التدهور، حيث يعاني الموظفون من صعوبة توفير الغذاء والدواء، في ظل ارتفاع الأسعار وتدهور العملة وغياب مصادر دخل بديلة.

ويرى مراقبون أن استمرار قمع المطالب الحقوقية، بالتوازي مع غياب الحلول الاقتصادية، قد يؤدي إلى انفجار اجتماعي، خاصة مع اتساع رقعة الفقر وازدياد أعداد المتضررين. كما يحذرون من أن معالجة الأزمة عبر الأدوات الأمنية فقط قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويزيد من حالة الاحتقان، بدلاً من احتوائها.

وبات ملف المرتبات أحد أبرز التحديات التي تواجه الاستقرار في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث يتقاطع فيه الاقتصادي بالسياسي والأمني، في معادلة معقدة تعكس عمق الأزمة اليمنية.