الألغام في اليمن.. أرقام تكشف موتًا مستمرًا وإعاقات لا تنتهي

السياسية - منذ ساعتان و 21 دقيقة
الحديدة، نيوزيمن، خاص:

لم تكن كاتبة محمد، الستينية القادمة من محافظة الضالع، تتوقع أن تتحول رحلة عائلية قصيرة إلى فصل دامٍ من حياتها. خرجت لزيارة ابنتها، وجلست في سيارة تقلها مع عدد من أقاربها، قبل أن تنفجر لحظة واحدة بكل ما حملته من أمان، حين دوّى لغم أرضي مزروع على الطريق.

كانت لحظة انفجار اللغم خاطفة لكاتبة ومن معها، ولم يمنح الركاب فرصة للفهم أو الهرب، في ثوانٍ قليلة، ملأ الغبار المكان والصراخ ، ومات ثلاثة من الركاب، بينما نجت كاتبة بأعجوبة، لكن بثمن باهظ، إذ بُترت إحدى ساقيها وسط مشهد دموي لا يغيب عن ذاكرتها.

بعد أسابيع من العلاج والتنقل بين المستشفيات، وجدت نفسها في مركز للأطراف الصناعية، تحاول تعلم المشي من جديد على ساق صناعية. خطواتها الأولى كانت متعثرة، لكنها تحمل في داخلها رغبة عنيدة في الوقوف مجدداً، رغم أن آثار الحادث لا تزال تلاحقها نفسياً وجسدياً.

نجت كاتبة من الموت، ولم يسلب اللغم ساقها فحسب، بل سرق منها شعور الأمان في الطرقات، وبينما تتشبث بالأمل في حياة أقل ألماً، حين تستشعر أن ما جرى لها ليس سوى صورة صغيرة من مأساة أكبر يعيشها آلاف اليمنيين الذين تحولت طرقهم ومزارعهم إلى حقول موت صامت.

مأساة لا تنتهي

لا تزال الألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة تمثل أحد أخطر مخلفات الحرب في اليمن، إذ تحصد أرواح المدنيين وتخلّف إعاقات دائمة رغم مرور سنوات على توقف المعارك في عدد من الجبهات. ويُصنَّف اليمن اليوم ضمن أكثر دول العالم تلوثاً بالألغام، في ظل انتشارها الواسع في الطرقات والمزارع ومحيط القرى.

وتشير إحصاءات وزارة حقوق الإنسان في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً إلى أن الفترة الممتدة بين عامي 2014 و2024 شهدت مقتل 4501 مدني وإصابة 5083 آخرين جراء الألغام والذخائر غير المنفجرة، معظمهم من النساء والأطفال، في حصيلة تعكس حجم الخطر المستمر على حياة السكان.

وفي السياق ذاته، أكدت منظمة «إنقاذ الطفولة» الدولية في تقرير حديث أن النصف الأول من عام 2025 وحده سجّل 107 حالات قتل وإصابة بين المدنيين بسبب الألغام، كان الأطفال النسبة الأكبر من الضحايا، في مؤشر مقلق على اتساع رقعة التهديد وغياب الأمان حتى في أماكن اللعب والأنشطة اليومية.

وتكشف بيانات مراكز الأطراف الصناعية في اليمن عن أبعاد إنسانية إضافية لهذه الكارثة، حيث تستقبل بعض المراكز ما بين 100 و120 مصاباً يومياً، وتشير التقديرات إلى أن الشباب يشكلون نحو 60% من إجمالي المصابين، مقابل 40% من الأطفال والنساء، ما يعكس الأثر العميق للألغام على الفئات الأكثر هشاشة.

مسام.. إنقاذ حياة

وفيما تتواصل جهود نزع الألغام، تشير تقارير ميدانية إلى وجود أكثر من مليوني لغم زرعت في الأراضي اليمنية خلال سنوات الحرب، ورغم تمكن الفرق المختصة منذ عام 2018 وحتى نهاية سبتمبر/أيلول 2025 من نزع أكثر من نصف مليون لغم ومخلفات حرب، وتطهير أكثر من 71 مليون متر مربع، فإن حجم التلوث لا يزال يفوق الإمكانيات، ما يجعل الألغام تهديداً مفتوحاً لحياة اليمنيين.

كل لغم ينتزعه مشروع مسام في اليمن إنقاذ للحياة، فاليمن بيئة مكتظة بمخلفات الحرب بخاصة تلك التي زرعتها مليشيا الحوثي في كل مكان مرت فيه، فالجماعة تتفن في طرق لا تخطر على بال لزرع لغم أو عبوة ناسفة.

أفاد مشروع مسام لتطهير الأراضي اليمنية من الألغام بأن فرقه الميدانية واصلت جهودها الإنسانية خلال شهر ديسمبر الجاري، وتمكنت من نزع 3491 لغماً وذخيرة غير منفجرة وعبوة ناسفة منذ مطلع الشهر وحتى 26 ديسمبر، في مسعى متواصل للحد من مخاطر الألغام وحماية أرواح المدنيين في المناطق المتضررة من الحرب.

وأوضح المشروع في بيان أن ما تم نزعه خلال هذه الفترة شمل 3188 ذخيرة غير منفجرة، و276 لغماً مضاداً للدبابات، و10 ألغام مضادة للأفراد، إضافة إلى 17 عبوة ناسفة، مؤكداً أن هذه العمليات تأتي ضمن الجهود الرامية إلى تطهير الأراضي الملوثة بمخلفات الحرب وإعادتها إلى الاستخدام الآمن، بما يسهم في تقليل الحوادث بين السكان، خصوصاً في المناطق الزراعية والطرقات.

وأشار البيان إلى أن الفرق الهندسية كثّفت أعمالها الميدانية خلال الأسابيع الماضية، حيث نجحت خلال الأسبوع الماضي وحده في نزع 835 لغماً وذخيرة غير منفجرة وعبوة ناسفة، فيما تمكنت خلال الأسبوع الرابع من شهر ديسمبر من إزالة 745 ذخيرة غير منفجرة، و84 لغماً مضاداً للدبابات، ولغميْن مضادين للأفراد، إلى جانب 4 عبوات ناسفة، في ظل ظروف ميدانية معقدة ومخاطر عالية.

وأكد مشروع مسام أن فرقَه استطاعت، منذ بداية ديسمبر الجاري، تطهير مساحة تُقدَّر بـ1,415,505 أمتار مربعة من الأراضي في عدد من المناطق المستهدفة، ما ينعكس بشكل مباشر على سلامة السكان المحليين، ويمهّد لعودة الأهالي إلى أراضيهم ومزارعهم ومنازلهم بأمان أكبر، بعد سنوات من الخطر الكامن الذي تفرضه الألغام والذخائر غير المنفجرة.

وفي سياق متصل، أفادت غرفة عمليات مسام بأن الفرق الهندسية العاملة في مديرية ميدي نجحت، منذ بدء عملها في المديرية، في نزع 6243 لغماً وذخيرة غير منفجرة وعبوة ناسفة، في مؤشر على حجم التلوث الواسع بمخلفات الحرب، واستمرار التهديد الذي تمثله الألغام على حياة المدنيين، لا سيما الأطفال والرعاة والمزارعين.

وأكد المشروع أن أعمال نزع الألغام تمثل أولوية إنسانية قصوى، في ظل استمرار سقوط الضحايا بسبب هذه المخلفات القاتلة، مجددًا التزامه بمواصلة العمل الميداني وتوسيع نطاق عملياته، بما يساهم في إنقاذ الأرواح، وتعزيز الشعور بالأمان، ودعم جهود التعافي في المناطق المتضررة.