د. علي النعيمي

د. علي النعيمي

تابعنى على

لا تجعلوا الشعوب وقوداً للصراعات

منذ ساعتان و 7 دقائق

من أخطر التحولات التي يشهدها عالمنا اليوم أن الخلافات السياسية لم تعد تقتصر على الحكومات وصناع القرار، بل امتدت إلى الشعوب، وأصبحت مواقع التواصل الاجتماعي ساحات مفتوحة للاستقطاب والكراهية وتبادل الاتهامات بين أبناء الأمة الواحدة والجغرافيا الواحدة والمصير الواحد.

السياسة بطبيعتها مجال للاجتهاد والمصالح والتقديرات المتغيرة، أما العلاقات بين الشعوب فهي رصيد تاريخي وحضاري وإنساني يجب أن يبقى بمنأى عن تقلبات المواقف والخلافات. فالدول قد تختلف حول ملفات سياسية أو اقتصادية أو أمنية، وقد تتباين رؤاها تجاه قضايا إقليمية ودولية، لكن هذه الخلافات لا ينبغي أن تتحول إلى خصومة بين الشعوب أو إلى قطيعة اجتماعية وثقافية وإنسانية.

لقد علمتنا تجارب التاريخ أن الخلافات السياسية مهما بلغت حدتها تبقى مؤقتة، بينما الضرر الذي يصيب العلاقات بين الشعوب قد يستمر لأجيال. الكلمات التي تُكتب في لحظة غضب، وحملات التشويه التي تُدار تحت تأثير الانفعال، وخطابات الكراهية التي تنتشر عبر المنصات الرقمية، تترك ندوباً عميقة في الوعي الجمعي يصعب معالجتها لاحقاً.

وفي منطقتنا العربية والخليجية على وجه الخصوص، تزداد أهمية هذا المبدأ. فما يجمع شعوبنا أكبر بكثير مما قد يفرق بينها. يجمعنا الدين والتاريخ واللغة والجغرافيا والروابط الأسرية والمصالح المشتركة والمصير الواحد. ولذلك فإن محاولة جر الشعوب إلى معارك سياسية أو إعلامية لا تخدم إلا أصحاب الأجندات المتطرفة وصناع الأزمات الذين يسعون إلى تحويل الاختلاف السياسي إلى انقسام اجتماعي دائم.

ومن المؤسف أن بعض الأصوات تتعامل مع الخلاف السياسي وكأنه مبرر للإساءة إلى شعوب بأكملها أو التشكيك في وطنيتها أو الانتقاص من تاريخها وإنجازاتها. هذه الممارسات لا تعبر عن الوعي السياسي المسؤول، بل تعكس فهماً قاصراً لطبيعة العلاقات بين الدول والشعوب. فاحترام الشعوب ليس موقفاً سياسياً عابراً، بل قيمة أخلاقية وحضارية ينبغي التمسك بها في أوقات الاتفاق والاختلاف على حد سواء.

إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الجميع: السياسيين، والإعلاميين، والمثقفين، وقادة الرأي، والمؤسسات التعليمية، ومنصات التواصل الاجتماعي. المطلوب ليس إلغاء الاختلاف أو منع النقاش، فالتباين في الآراء أمر طبيعي وصحي، وإنما المطلوب هو ترسيخ ثقافة التمييز بين نقد السياسات واستهداف الشعوب، وبين الاختلاف مع المواقف والإساءة إلى الأوطان وأبنائها.

كما أن بناء السلام والاستقرار لا يبدأ فقط من الاتفاقات السياسية، بل يبدأ أيضاً من حماية جسور الثقة بين الناس. فحين تبقى العلاقات الإنسانية والاجتماعية والثقافية متماسكة، يصبح تجاوز الخلافات السياسية أكثر سهولة، وتصبح فرص التفاهم والتعاون أكبر في المستقبل.

إن الشعوب ليست أطرافاً في الخلافات السياسية، ولا ينبغي أن تتحمل كلفة الصراعات التي لا تصنعها. وما أحوجنا اليوم إلى خطاب عقلاني يضع الإنسان فوق الانفعالات، ويحفظ الاحترام المتبادل بين المجتمعات، ويؤكد أن الأخوة والجوار والتعايش قيم ثابتة لا يجوز أن تهزها خلافات السياسة ولا أن تعبث بها حملات التحريض والكراهية.

فالأوطان القوية تُبنى بالثقة، والمجتمعات المتماسكة تُبنى بالاحترام، أما المستقبل الآمن فلا تصنعه الخصومات بين الشعوب، بل تصنعه قدرتها على الحفاظ على روابطها الإنسانية مهما اختلفت المواقف وتبدلت الظروف .

من صفحة الكاتب على إكس