محمد عبدالرحمن

محمد عبدالرحمن

خلف هذه "الصلاة" روح أثقلتها الحياة

الجمعة 13 مايو 2022 الساعة 10:54 ص

"ولم أكن بدعائك رب شقيا"، هذه الروح المنزوية في فنائك الأرضي تبحث عن مصعد للسماء بثقلها الدنيوي وعدم استواء الحياة كما هي الحال في بلدان أخرى، هذه الروح المعنونة باسمي ولها صفاتي هي البقاء الأخير الذي يطوف بي في بلاد لم تعد تتسع لأصبع واحد، هي اليوم مُنهكة بالأوضاع وقلة الحيلة وغياب الدولة وانعدام السلام وتوحش الجماعات وانسياب العقد الاجتماعي وانتهاك لحرمة التقديس للجسد الإنساني، هي منهكة في بلادها وفي ربيعها، منهكة من لهاث الدعاء بين ربها وذاتها أمام سماء موصده عن هذه الجغرافية المزيفة في الخريطة.

الشوارع الكئيبة أمام هذه الروح لا تستوي مع ما ترنو إليه، والأيام الآخذة بالمضي سريعاً في حالة الأفراح والمشي بالبطء الممل في حالة الأتراح، هي انتظار العبور والأمل معاً، نحو الأمل هذا تبقى الروح معلقة بين صلاة ليلية وسعي في النهار، هو أمل طال انتظاره حتى ذابت على الأقدام حديد الدمع والآمال المتوقعة للعيش بأمان.

لم أتمكن من إبداء رغبة لتهدئة الروح وإشعارها أن كل صلاة لا تفي بوعدها الذي قطعته، لكن هو فقط مجرد اختبار وتمحيص سماوي لهذه الدنيوية، لكنني أستبقي شيئاً منطقياً أمام مصارحتها أن هذه الأحوال صناعة أرضية وبشرية محضة ليس للسماء دخل فيها، وأشعر عند ذلك بجائحة من الرغبة في تهريب الروح بعيداً عن هذا الواقع وبعيداً جداً خلف هذه الصلاة الرتيبة أحياناً، وخلف صنعاء الموحشة الآن.

تطوف الروح في صنعاء وهي المدينة الشاحبة والمنهكة هي الأخرى، ولا تجد مكانها فيها، إنها مدينة تحولت كثيراً واستبدلت بأشياء لا تمت لها بصلة، ولا تشعرها بالارتياح، لم تتمكن الروح من استجداء صنعاء للبقاء كصنعاء، الطاقة أكبر من أن تمنعها من التحول والتغير والتبدل، هي اليوم صنعاء موحشة أكثر ولها أنياب تبرز أمام الأرواح الهائجة في فنائها الراغبة بإعادتها إلى جادة الصواب، كروحي التي تمنيت أن لا تكون هنا الآن وترى وجه صنعاء الكئيب وأنيابها التي تفتك بعشاقها، ومع ذلك تقول الروح: صنعاء عائدة حتماً المهم الآن الصلاة.

أتعبت الظروف القاسية هذه الروح المنهكة بين حروب لا تغترف منها سواء الخوف والألم، ظروف جعلتها تبحث في التفكير عن الرحيل إلى وطن آخر، بعيداً عن صنعاء أو ربما خلف حدود هذه الصلاة اليمنية، لا تفكر إلا عن كيفية محاولة العيش بسلام وهدوء هذه الفترة، إنها روح شابة أعياها السهاد وطول الأنين، تتحاشى جدالا مع السماء عن أسباب خلقها في هذه البقعة الجغرافية تحديداً وليس في مكان آخر، سامحها يا رب لقد تعبت وتعبتُ معها كثيراً فسامحني أيضاً.

خلف هذه الصلاة ربما غروب عند الشاطئ أو شروق عند الجبل، هناك حيث الروح تبقى تائهة شاردة لا حدود لها إلا السماء، وخلف هذه الروح جسد إنسان أشبعته بلاده حروباً وظلماً وفقراً، يكاد أن يفقد إحساسه بالانتماء لها، لولا هذه الروح التي تمسك بخيط خفيف من الأمل.