مصطفى النعمان

مصطفى النعمان

تابعنى على

وقف الحرب خيار وحيد في اليمن

الثلاثاء 10 مايو 2022 الساعة 08:15 م

عمت مشاعر البهجة الكثير من اليمنيين بعد إعلان المبعوث الأممي في 2 أبريل (نيسان) 2022 الاتفاق على هدنة لمدة شهرين، يتم خلالها فتح مطار صنعاء بمعدل رحلتين أسبوعياً إلى الأردن ودخول 18 سفينة نقل وقود إلى ميناء الحديدة، والبحث في الإجراءات المحلية التي تسمح بفتح المعابر في تعز وغيرها من المدن، وتمنوا أن تكون تلك الإجراءات بادرة قد تقود إلى هدنة طويلة ثم الدخول في مشاورات لإنهاء الحرب.

 وهذه الإجراءات الإنسانية كان من الممكن البناء عليها من أجل تحسين ظروف الناس المعيشية، التي بلغت حد المجاعة عند الملايين من اليمنيين بسبب سنوات الحرب التي دخلت في 26 مارس (آذار) الماضي عامها الثامن.

ولكن ما حدث هو الإصرار على تفسير مختلف لبنود تنفيذ الهدنة بخصوص فتح المطار كل حسب تقديراته.

 والأعجب أن أحداً لم يسمع تفسير المبعوث الأممي للأمر، وتسبب صمته في خلق حال إحباط عند كل يمني ينتظر ضوءاً خافتاً يعيد له شيئاً من الأمل بالقدرة على السفر، ككل إنسان في هذا الكون، من دون عناء وحاجة تحمل مشقة السفر الطويل من صنعاء إلى عدن أو سيئون.

 وفي المقابل، تزايدت الأنباء عن استمرار قصف مأرب من قبل الحوثيين. 

وفي المحصلة فإن اليمني العاجز عن الفعل هو من يدفع الأثمان الباهظة والكلفة الكاملة للحرب، وما تفرزه كل يوم من الأحقاد والمآسي.

إن العمل على استدامة الهدنة مهمة أخلاقية وإنسانية لا يجوز التوقف عن بذل كل جهد لاستمرارها وتثبيتها، ولعله من المهم وجود قوة مراقبة غير محلية توجد عند خطوط التماس في مأرب والحديدة والبيضاء. 

والواقع أن هذا الأمر ليس يسيراً، لأن الدول القادرة على تقديم مثل هذه الإمكانات منشغلة بما هو أكثر خطراً على محيطها المباشر، وأقصد أوكرانيا، فتكون المسؤولية ملقاة على عاتق الإقليم المؤثر والمتأثر.

 لقد تراجع الاهتمام بالحرب اليمنية في العواصم الكبرى التي ستترك لليمنيين حل مشاكلهم إن رغبوا وبالطريقة التي يرتؤونها.

 ومن الواضح أن رغبة السلام ليست حاضرة بجدية في ذهن الكثير من قيادات الطرفين، لأن مكاسبهم من استمرارها تفوق منسوب شعورهم بالمسؤولية الأخلاقية والمسؤولية الوطنية تجاه المحاصرين في الداخل والخارج، وصارت الرغبة في استمرار الحرب تتقدم على ما عداها من الأفكار.

في البيان الذي صدر فجر 7 أبريل 2022 عن الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي، تم تكليف (هيئة التشاور والمصالحة) بـ"تهيئة الظروف المناسبة لوقف الاقتتال والصراعات بين القوى كافة، والتوصل إلى سلام يحقق الأمن والاستقرار في كل أنحاء الجمهورية".

 كما كلف الرئيس السابق مجلس القيادة الرئاسي بـ"تولي التفاوض مع أنصار الله – الحوثيين لوقف إطلاق نار دائم في كل أنحاء الجمهورية، والجلوس إلى طاولة المفاوضات للتوصل إلى حل سياسي نهائي وشامل، يتضمن مرحلة انتقالية في اليمن من حالة الحرب إلى حالة السلام".

القراءة المتأنية لهذا التكليف لا يمكن أن تخطئ في وضوح الرغبة الجادة والأكيدة للبحث عن مسار ثابت، وفتح قنوات اتصال مباشرة بين الهيئات المستحدثة وجماعة "أنصار الله" – الحوثيين. 

ونجاح مثل هذه الجهود يستدعي أولاً تغييب لغة التهديدات والمزايدات حول قدرة أي طرف على حسم المعركة العسكرية لصالحه.

 ومن المهم إدراك أن الحاجة صارت أساسية وملحة للبدء في تخفيض منسوب التحدي، وادعاء القدرة على "إنجاز النصر الإلهي" كما يزعم الحوثيون، أو "قرب اجتثاثهم" كما يقول خصومهم.

لقد استعادت أطراف الحرب ذاكرة كل التاريخ اليمني القديم، وتعاملت معه كحقائق لا تقبل التأويلات وجعلت منها السند لكل تصرفاتها القبيحة، وزورت في بعض وقائعه لكي تصبح غذاءها اليومي لتبرير حروبها الداخلية ضد أبناء الوطن الواحد. 

ومن هنا فالبدايات هي في تغيير أسلوب التعاطي مع الآخر الشريك في الوطن، وإن كان مختلفاً أو حتى نقيضاً.

 ومن دون هذا فسيظل اليمن يدور في حلقات حلزونية ومفرغة، تسيل فيها الدماء وتتكاثر فيها الأحقاد، وترتفع فيها دعوات الثأر والخلاص من الآخر.

سيتحمل مجلس القيادة الرئاسي، الذي يضم ممثلي القوى المسلحة التي تسيطر على مساحات جغرافية متفاوتة، مسؤولية تاريخية لمعالجة آثار الحرب وما سبقها وما سيتلوها وما حدث خلالها. 

ومن اليقين أن رئيس المجلس ونوابه السبعة (أعضاء مجلس القيادة الرئاسي) يدركون حجم العبء الوطني والأخلاقي الذي يقفون أمامه، ولن يكون بوسعهم تجاوزه إلا بأن يكونوا جميعاً متفقين على أن النجاح في وقف الحرب والدعوة لها والانخراط في مسار السلام، سبيل النجاة الوحيد لهم ولكل يمني، ونتيجة ذلك ستحدد مستقبلهم ومستقبل البلاد وربما المنطقة.

اليوم أمام اليمنيين فرصة سانحة للتوصل إلى هدنة طويلة ثم وقف كامل للأعمال العسكرية فالمشاورات. 

وما يجعل الأمر أقل تعقيداً هو أن كل الفصائل المسلحة التي كانت، وما زالت حتى الآن، تعمل بمنأى عن الغطاء الشرعي لوزارة الدفاع، صارت ممثلة في "المجلس"، فيصبح من الطبيعي أن تلتزم جميعها بالقرار السياسي الذي يصدر عنه بعد التوافق بين الأعضاء الثمانية، الذين يجمعهم هدف واحد حدده البيان الصادر في 7 أبريل 2022 عن المشاورات اليمنية – اليمنية، بضرورة "الانخراط في الحل السياسي والجلوس إلى طاولة المفاوضات لمناقشة نقاط الخلاف كافة والتخلي عن الحلول العسكرية".

مجلس القيادة الرئاسي تم اختياره من أعضاء لهم طموحات شخصية مشروعة، وعليهم لتأمينها أن ينجزوا ما يشفع لهم للحصول على القبول الوطني وعدم الالتفات إلى أو الاستمتاع بالمديح المبكر والمنشورات المتزلفة التي مل الناس من قراءتها. 

ولا أشك في أن الكثير من القضايا التي تشغل بال رئيس المجلس ونوابه، هي تراكمات سنوات من إهمال قضايا الناس واحتياجاتهم، كان نتاجها الطبيعي فشلاً ذريعاً سياسياً وعسكرياً وأمنياً واقتصادياً، والأخطر هو فقدان ثقة الناس بالدولة واحترامهم لها، وهذان أمران ليسا بالهينين بعد سنوات من العبث والتسيب.

أيام صعبة تنتظر اليمنيين لن يفلحوا في الخلاص منها من دون أن يقدم قادة الجماعات المسلحة وقادة جماعة الحوثيين تنازلات كبرى، لا بد أنهم جميعاً يترددون في مجرد التفكير بها، لأن الشكوك وانعدام الثقة وحجم الضغائن والأحقاد قد بلغت حداً يجعل الخوف من الثارات ماثلاً أمامهم، إضافة إلى خشية خسارة كل ما حققوه من مكاسب خاصة.

 وهنا يتوجب البحث جدياً عن أطراف محلية وإقليمية لم تسهم في الحرب ولم تروج لها، وإدخالها في صلب العملية السياسية لتشارك في كل اتفاق يتم بحثه والتوصل إليه بين اليمنيين.

*نقلا عن إندبندنت عربية