د. صادق القاضي

د. صادق القاضي

تابعنى على

تعز.. حكاية سريالية.!

الأربعاء 18 مايو 2022 الساعة 09:24 م

في الأساطير العبرية حكاية مؤثرة عن طفل تنازعت عليه امرأتان، كل منهما تدعي أنها أمه، وعرضت القضية أمام الحكيم سليمان، فاقترح أن يتم قطع الطفل إلى نصفين، لكل امرأة منهما النصف، لكن الأم الحقيقية لم يطاوعها قلبها، فتنازلت عن الطفل للأخرى، فحكم سليمان بالطفل للأم المشفقة.

قبل سنوات. مرت "تعز" بنفس التجربة، استقطاب حاد من أطراف الحرب، ثم نزاع مسلح عليها.. وكان هناك من نطق بدلا عن النبي سليمان بحكم التشطير، لكن.. لم تكن هناك أم حقيقية، ولا حتى خالة مشفقة تتنازل عن هذه المدينة للأخرى.. فتم شقها إلى نصفين.

ومن حينه، لم تجد تعز العافية، فقدت ذاتها، وضاع وجهها في المرايا المتشظية. على أن تعز تشبه أكثر من الطفل. الفضولي الذي يدفع الثمن، أو الدوبلير الذي يتلقى الضربات الخطرة بدلا عن الممثلين الأصليين.

تعز.. ليست طرفا في الحرب، بل ميدان للمعركة، وقد تم تشطير هذا الميدان، والفصل بين الشطرين بمعابر متجهمة، وخطوط حمراء، وطرابيل زرقاء، وثكنات مدججة بالموت، وحقول مفخخة بالألغام.

هناك ملايين البشر في هذه المدينة وضواحيها. يعانون الأمرين، منذ سنوات. بسبب الحصار وإغلاق المعابر بين الشطرين في هذه المنطقة التي كانت مدينة وضاعت في حروب القبائل. 

المشوار القصير الذي كان في الزمن الطبيعي يستغرق عدة دقائق، بات في هذا الزمن السريالي رحلة طويلة تستغرق عدة ساعات.

 والفرق.. كالفرق بين عبور قناة السويس والدوران حول إفريقيا.!

يذكر الأمر بجدار برلين، وجدار الفصل العنصري في إسرائيل.. لكن المسألة هنا لا تتعلق بحرب بين دولتين، بل بنزاع بين طرفين خائبين من دولة واحدة!

لا أعتقد أن هذه الحالة حدثت أو ستحدث، بنفس الدرجة العبثية في مكان آخر من العالم المعاصر، كما لا يمكن حصر المآسي التي كابدتها وتكابدها هذه المحافظة منذ سنوات بسبب هذا الوضع الاستثنائي.

حتى تعز نفسها، لا تدري عن نفسها كم؟ وكيف؟ ولماذا؟!.. مقارنة بمعرفتها الدقيقة، ومتابعتها المتواصلة، لما يحدث في العالم وفي غيرها من محافظات ومدن اليمن. تعز. كما قال أحدهم بحق: "مثل "منى علي". زفت كل الأعراس وماتت عازبة".!

وكانت تعز قد تصالحت مع الموت واليأس، قبل أن يعلن المبعوث الأممي عن الهدنة الأخيرة، وفي هامشها تقريبا بند خجول يتحدث عنها، وعن معاناتها وحاجتها إلى رفع الحصار وفتح المعابر الموصدة.

وقد أوشكت هذه الهدنة على الانتهاء، ولم يتحقق منها شيء لتعز، ولا لليمن كلها، كل ما حدث حتى الآن على الأقل، هو فتح الأبواب والنوافذ والمعابر البرية والجوية، لأحد أطراف الحرب، الطرف الأكثر فداحة على تعز.. واليمن كلها.