بسام الإرياني

بسام الإرياني

تابعنى على

كيف أضاع الإخوان المسلمون في اليمن بوصلتهم السياسية

منذ ساعة و 32 دقيقة

لم تكن أزمة الإخوان المسلمين في اليمن وليدة اللحظة ولا نتاج حدث عابر، بل هي حصيلة مسار طويل من الحسابات الخاطئة والتحالفات الانتهازية، والرهان المستمر على أوهام القوة والشرعية. انتهى هذا المسار بهم اليوم بلا بوصلة سياسية واضحة، يتخبطون بين البيانات والحوارات الشكلية، ويبحثون عن مخرج بعدما أداروا ظهورهم لكل فرصة حقيقية لبناء مشروع وطني مستقر. إن قراءة هذا التاريخ تكشف بوضوح أن ما جرى لم يكن قدراً مفروضاً، بل نتيجة طبيعية لسلوك سياسي قائم على المصلحة الآنية لا على الرؤية.

في بدايات المشهد، دخل الإخوان المسلمون في تحالف مع حزب المؤتمر الشعبي العام، تحالف لم يكن قائماً على شراكة وطنية متوازنة بقدر ما كان تقاسماً للمصالح والنفوذ. هذا التحالف منحهم مساحة واسعة في الدولة والمجتمع، ومكنهم من التغلغل في المؤسسات التعليمية والدعوية والسياسية، غير أنهم تعاملوا معه كمرحلة مؤقتة لا كخيار استراتيجي.

وعندما جاءت انتخابات 2006، انقلبوا عليه دون تردد، وذهبوا إلى معركة سياسية حادة، معتقدين أن ميزان القوة بات لصالحهم، وأن بإمكانهم القفز إلى السلطة عبر استثمار حالة الاحتقان والوعود بالإصلاح. كان ذلك أول مؤشر واضح على ضياع البوصلة، حين غلب الطموح الأعمى على قراءة الواقع.

ثم جاءت أحداث 2011 لتؤكد أن الإخوان لم يتعلموا من أخطائهم السابقة، بل شاركوا في الانقلاب السياسي على النظام، وقدموا أنفسهم بوصفهم قادة التغيير، واستثمروا حالة الفوضى والانقسام للوصول إلى الصف الأول في مراكز القرار. وحين تمكنوا فعلياً من مفاصل السلطة، لم يتجهوا إلى بناء شراكة وطنية جامعة، بل انخرطوا في سياسة إقصاء ممنهجة استهدفت المؤتمر الشعبي العام، الحزب الأكبر والأوسع قاعدة، في محاولة لتفكيكه وإضعافه، ظناً منهم أن إلغاء المنافس هو الطريق الآمن للاستمرار في الحكم.

في تلك المرحلة، لم يتردد الإخوان في التحالف مع كل القوى الهامشية والانتهازية، بما في ذلك الحوثيون، ومع شخصيات ومكونات لا يجمعها سوى العداء للدولة اليمنية أو الرغبة في اقتسام الغنائم. تحالفوا مع أطراف بلا مشروع، ومع قوى اعتادت القفز بين المعسكرات، ومع من لا يؤمنون بالدولة ولا بالمدنية. هذا الخليط المشوه لم يكن تحالفاً سياسياً حقيقياً، بل تجمع مصالح مؤقتاً، سرعان ما انقلب على الجميع.

وعندما جاء عام 2014، اكتشف الإخوان متأخرين أنهم كانوا الحلقة الأضعف، وأن من ظنوا أنهم أدوات يمكن التحكم بها كانوا في الحقيقة شركاء في خداعهم والانقلاب عليهم.

منذ ذلك التاريخ، دخل الإخوان في حالة إنكار سياسي مزمنة، وبدل مراجعة تجربتهم والاعتراف بأخطائهم، لجأوا إلى تعليق الفشل على شماعة المؤامرات، والارتهان للبيانات الدولية غير الملزمة، والحوارات الشكلية التي لا تنتج سلطة ولا تحمي نفوذا. تحول الخطاب إلى أداة لطمأنة القواعد لا لمواجهة الواقع؛ بيانات ترحيب وإدانة وأمل بلا أثر حقيقي، وحوارات لا تنتهي بلا نتائج، تُستخدم كدليل وهمي على الحضور السياسي، بينما القرار الفعلي يُتخذ في أماكن أخرى.

لذا، الغباء السياسي هنا لا يكمن فقط في سوء التقدير، بل في الإصرار عليه. فحتى اليوم، ما زال الإخوان يراهنون على تحالفات خارجية وداخلية هشة، وعلى ضغوط دولية أثبتت التجربة أنها لا تُبنى على الخطاب ولا على العواطف، بل على المصالح الصلبة. ومع كل خيبة، يعيدون إنتاج الوهم نفسه، ويقدمونه لقواعدهم على أنه أمل قريب، بينما الواقع يؤكد أنهم عالقون في دائرة مغلقة صنعوها بأنفسهم.

اليوم، وبعد سنوات من التخبط، يجد الإخوان أنفسهم بلا اتجاه واضح: لا سلطة، ولا مشروع وطني جامع، ولا حلفاء موثوقين. كل الطرق التي سلكوها انتهت إلى طريق مسدود. وفي هذا المشهد، يبرز المؤتمر الشعبي العام من جديد، ليس كخصم سياسي فقط، بل كحقيقة لا يمكن تجاوزها؛ الحزب الذي حاولوا تفكيكه هو ذاته الذي يعود اليوم كملاذ أخير، لأنه حزب تأسس على فكرة الدولة، وعلى العفو والتسامح، وعلى المدنية الصرفة، لا على الثأر والإقصاء.

المفارقة أن الإخوان المسلمين، الذين قضوا سنوات في شيطنة المؤتمر، قد لا يجدون في النهاية سوى بابه، لا حباً فيه، بل هرباً من الفراغ السياسي الذي صنعوه بأيديهم. غير أن العودة المتأخرة، إن حدثت، لن تكون بلا ثمن؛ فالتاريخ السياسي لا يُمحى بالبيانات، ولا تُغفر الأخطاء الكبرى دون مراجعة صادقة ومسؤولية واضحة.

وإن ما أضاع بوصلة الإخوان المسلمين في اليمن ليس قوة خصومهم، بل ضعف رؤيتهم، وارتهانهم للمصلحة، وعجزهم عن فهم أن السياسة ليست قفزاً بين التحالفات، بل التزام بمشروع وطني طويل النفس. ومن لا يتعلم من سقوطه الأول، محكوم عليه أن يضل الطريق مرة بعد أخرى، حتى يجد نفسه وحيداً، يبحث عن اتجاه، في زمن لم يعد يرحم من أضاع بوصلته.