د. ابتسام الكتبي

د. ابتسام الكتبي

تابعنى على

الاتهام وسيلة العاجز للهروب إلى الأمام

منذ ساعة و 22 دقيقة

في لحظات التحول الإقليمي الكبرى، تميل بعض الأطراف إلى استخدام السرديات الملفقة  والمغرضة للبحث عن متهم جاهز، لا عن تفسير حقيقي. فتُستدعى مفردات من قبيل “تساقط الدومينو” و“انهيار مشاريع الفوضى”، لا بوصفها أدوات تحليل، بل كوسيلة لإعادة ترتيب المسؤوليات سياسياً وإعلامياً. جوهر هذا الخطاب ليس الدفاع عن الاستقرار، بل تبسيط مخلّ لأزمات عميقة، يُراد له أن يُقنع المتلقي بأن الفوضى صُنعت عمداً، وأنها تنتهي تلقائياً بمجرد إقصاء طرف بعينه.

المفارقة أن الخطاب الأكثر صخباً في الحديث عن “استعادة الدولة” غالباً ما يصدر عن أطراف أخفقت، عبر سنوات، في إدارة الملفات الإقليمية التي تصدّرتها. تردد في القرار، تغيّر في الأولويات، وتناقض بين الأدوات العسكرية والسياسية والإعلامية، حتى تحولت الأزمات إلى استنزاف مفتوح. ومع غياب النتائج، ارتفع منسوب الاتهام، وكأن تحميل الآخرين المسؤولية يمكن أن يحجب حدود القدرة الذاتية.

ما أدركته الإمارات مبكراً هو أن الاستقرار لا يُفرض من الأعلى ولا يُستدعى بالخطابات، بل يُبنى من الأسفل: أمن الناس، الخدمات الأساسية، كسر دائرة العنف، وخلق حد أدنى من الحياة القابلة للاستمرار. في اليمن كما في غيره، لم يكن السؤال النظري عن شكل الدولة في المستقبل هو أولوية المجتمعات المنهكة، بل كيفية النجاة من حرب مفتوحة، وكيف يمكن تقليل الخسائر إلى أن تنضج تسوية سياسية ممكنة.

لذلك، فإن مقولة إن “الشعوب تختار الاستقرار لا العبث” تظل صحيحة من حيث المبدأ، لكنها تفقد معناها حين تُستخدم بانتقائية. فالشعوب لا تختار الاستقرار في الفراغ، بل تختاره عندما يُعرض عليها نموذج واقعي للحياة، لا مجرد عودة شكلية لسلطة عاجزة أو مختطفة. الاستقرار ليس لحظة خطابية، بل مسار تراكمي طويل، يتطلب مرونة، وشراكات، وقدراً عالياً من ضبط النفس.

الخطاب الذي يحوّل “الدفاع عن الدولة الوطنية” إلى أداة تخوين، لا إلى مشروع بناء، يكشف في جوهره عجزاً عن تقديم بدائل قابلة للتنفيذ. وفي المقابل، فإن الدول التي اختارت إدارة التعقيد بدل إنكاره، والعمل في المناطق الرمادية بدل الهروب منها، أصبحت هدفاً سهلاً للاتهام، لا بسبب فشلها، بل لأنها فضحت هشاشة المقاربات الصاخبة.

المنطقة اليوم لا تحتاج إلى محاكمات سياسية متأخرة، بل إلى قراءة أكثر نضجاً للواقع. الدولة الوطنية لا تعود أقوى لأنها انتظرت طويلاً، بل لأنها أُعيد بناؤها بعقلانية، وبشراكات ذكية، وبفهم دقيق للفارق بين المثال والممكن. أما تلفيق الاتهامات، فلن يصنع استقراراً، بل يؤجل مواجهة السؤال الجوهري: لماذا انهارت الدول؟ وكيف يمكن منع انهيارها مرة أخرى؟

في السياسة، كما في التجربة الإماراتية، ليست الغلبة في الادعاء ولا في تزييف الحقائق ، بل في القدرة على التعامل مع واقع قاسٍ كما هو، وتقليل كلفته الإنسانية والسياسية. وهذا ليس عبثاً، بل مسؤولية.

من صفحة الكاتبة على إكس