باب المندب.. من ممر تجاري إلى ورقة صراع إقليمي

باب المندب.. من ممر تجاري إلى ورقة صراع إقليمي

السياسية - الجمعة 14 أغسطس 2026 الساعة 18:18
المخا، نيوزيمن، تقرير تحليلي: وقت القراءة: 4 دقائق

لم يعد مضيق باب المندب مجرد ممر مائي يفصل بين البحر الأحمر وخليج عدن، ولا مجرد نقطة على خريطة الملاحة الدولية. فقد تحول بفعل تصاعد هجمات مليشيات الحوثي الإرهابية، المدعومة من إيران، التي تستهدف السفن إلى أحد الاختبارات الأكثر حساسية لقدرة النظام الدولي على حماية حرية الملاحة والتجارة العالمية.

فكل اضطراب في هذا الممر الاستراتيجي لا يتوقف تأثيره عند السواحل اليمنية، بل يمتد سريعاً إلى شركات النقل البحري، وأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، وأسعار التأمين والشحن، وصولاً إلى المستهلك في مختلف أنحاء العالم.

ومن هنا، يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يتحرك المجتمع الدولي لمنع تحول باب المندب إلى "هرمز آخر"، أم يكتفي بإدارة تداعيات الأزمة كلما وقعت هجمات جديدة؟

باب المندب.. شريان للتجارة العالمية

تنبع أهمية باب المندب من موقعه الجغرافي الذي يجعله بوابة بحرية تربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر، ومن ثم قناة السويس والبحر المتوسط. ولذلك فإن أمنه يرتبط مباشرة بحركة التجارة بين آسيا وأوروبا والأسواق العالمية.

وأي اضطراب طويل الأمد في الملاحة عبره يعني ارتفاعاً في كلفة النقل والتأمين، وزيادة زمن الرحلات في حال اضطرت السفن إلى تغيير مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، فضلاً عن احتمالات انعكاس ذلك على أسعار السلع والطاقة.

ولهذا السبب، فإن تهديد الملاحة في باب المندب لم يعد شأناً أمنياً يخص اليمن أو دول البحر الأحمر وحدها، وإنما قضية ذات أبعاد اقتصادية وجيوسياسية عالمية.

الساحل الغربي.. جبهة تتجاوز حدود اليمن

لا يقتصر القلق على التصريحات السياسية. فالتطورات العسكرية على الساحل الغربي لليمن تشير إلى تنامي القدرات التي يمكن استخدامها ضد الملاحة، بما في ذلك الصواريخ والطائرات المسيرة والزوارق الهجومية.

وتزداد خطورة هذا المشهد مع استمرار الحديث عن دعم إيراني لوجستي واستخباراتي للحوثيين، وما يرتبط بذلك من نشاط بحري إيراني في البحر الأحمر.

وهنا لا تبدو المسألة مجرد مواجهة يمنية داخلية، بل جزءاً من معادلة إقليمية أوسع، يصبح فيها الموقع الجغرافي لليمن ورقة استراتيجية في صراع النفوذ على الممرات البحرية.

باب المندب وهرمز.. تشابه في الجغرافيا واختلاف في السيناريو

المقارنة بين باب المندب ومضيق هرمز ليست مجرد تشبيه جغرافي، فكلاهما يمثل عنق زجاجة بحرياً يمكن أن تتحول أي أزمة فيه إلى أزمة دولية.

لكن الخطر في باب المندب يكتسب خصوصية إضافية، لأن الجماعة التي تهدد الملاحة تتحرك داخل دولة تعاني أصلاً من حرب وانقسام مؤسسي، بينما تمتلك في الوقت ذاته قدرات صاروخية وطائرات مسيرة يمكن استخدامها لاستهداف السفن أو تهديدها.

وإذا أصبح تعطيل الملاحة الدولية وسيلة مقبولة لتحقيق أهداف سياسية، فإن العالم سيكون أمام سابقة خطيرة: تحويل الممرات البحرية الدولية من فضاءات محايدة للتجارة إلى أدوات ابتزاز في الصراعات الإقليمية.

وهذه هي النقطة التي تجعل قضية باب المندب أكبر من مجرد حماية سفن تجارية، بل قضية تتعلق بالقواعد التي تحكم النظام البحري الدولي نفسه.

لماذا لا تكفي القوة البحرية؟

قد يكون تعزيز الوجود البحري الدولي ضرورياً لردع الهجمات الحوثية وحماية السفن، لكنه لا يمثل حلاً نهائياً.

فالقوة البحرية تستطيع حماية سفينة من هجوم، لكنها لا تستطيع بمفردها معالجة البيئة السياسية والأمنية التي تنتج التهديد.

ولهذا يحتاج أمن باب المندب إلى استراتيجية متعددة المستويات تقوم على حماية حرية الملاحة، وتعزيز قدرات خفر السواحل والقوات البحرية اليمنية، وتجفيف شبكات تهريب السلاح، ومواجهة مصادر الدعم الخارجي للجماعات المسلحة، بالتوازي مع دعم مسار سياسي جاد يعيد بناء الدولة اليمنية.

إن معالجة العرض وترك أصل المشكلة يعني ببساطة تأجيل الأزمة إلى جولة جديدة.

الاختبار الدولي

يقف المجتمع الدولي اليوم أمام اختبار يتجاوز حدود البحر الأحمر.

فإذا نجحت جماعة مسلحة في تحويل أحد أهم الممرات التجارية في العالم إلى ورقة ضغط سياسية دون كلفة دولية رادعة، فقد يشجع ذلك أطرافاً أخرى على تكرار النموذج نفسه في مناطق مختلفة.

أما التحرك المبكر، فيعني حماية مبدأ أساسي في النظام الدولي، وهو أن حرية الملاحة الدولية لا ينبغي أن تكون رهينة لأجندات الجماعات المسلحة أو الصراعات الإقليمية.

ومن هنا، فإن حماية باب المندب يجب أن تترافق مع رؤية سياسية لمعالجة جذور الأزمة اليمنية، لا أن تتحول إلى مهمة عسكرية منفصلة عن الواقع السياسي.

استقرار اليمن.. بوابة استقرار البحر الأحمر

المعادلة في النهاية واضحة: لا يمكن ضمان أمن باب المندب بصورة مستدامة في ظل دولة يمنية ضعيفة ومؤسسات منقسمة وسلاح خارج إطار الدولة.

فأمن البحر الأحمر يبدأ من استقرار اليمن، واستقرار اليمن يحتاج إلى دولة قادرة على بسط سيادتها، واقتصاد قادر على توفير فرص الحياة، وعملية سياسية تضع حداً للحرب وتمنع استخدام الأراضي والسواحل اليمنية في تهديد دول الجوار والملاحة الدولية.

وبين خيارين، يبدو الفارق واضحاً: إما أن يتحرك العالم لمنع تحول باب المندب إلى "هرمز آخر"، أو ينتظر حتى يصبح تهديد الملاحة واقعاً دائماً تترتب عليه كلفة اقتصادية وأمنية عالمية متزايدة.

إن حماية باب المندب ليست دفاعاً عن طريق بحري فحسب، بل دفاع عن حرية التجارة، واستقرار الطاقة، وأمن سلاسل الإمداد، والأهم عن حق اليمنيين في الخروج من دائرة الحرب.

فحين يستقر اليمن، يصبح البحر الأحمر أكثر أمناً. وحين يصبح البحر الأحمر آمناً، تستعيد التجارة العالمية واحداً من أهم شرايينها الحيوية.