رحلة "ماهان إير" إلى صنعاء.. إيران تختبر خطوط المواجهة الحمراء في اليمن

السياسية - منذ ساعة و 23 دقيقة
صنعاء، نيوزيمن، خاص:

أعادت إيران والحوثيون فتح خط جوي مباشر بين طهران وصنعاء، في خطوة أثارت موجة واسعة من التحذيرات السياسية والأمنية، وسط اتهامات بأن الرحلات الجوية الجديدة تتجاوز البعد الإنساني المعلن، لتشكل مرحلة جديدة من تعزيز النفوذ الإيراني في اليمن، وفتح ممر جوي قد يستخدم لتسهيل نقل الخبراء والتقنيات والأسلحة إلى مليشيا الحوثي، في وقت تتواصل فيه الجهود الإقليمية والدولية لإحياء مسار السلام وإنهاء الحرب.

ووصلت طائرة تابعة لشركة "ماهان إير" الإيرانية إلى مطار صنعاء الدولي، في أول رحلة معلنة من نوعها منذ سنوات، قبل أن تغادر بعد ساعات وعلى متنها قيادات حوثية متجهة إلى طهران للمشاركة في مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، فيما أكدت الجماعة أن الطائرة نقلت أكثر من 200 شخص، وأعلنت صراحة فتح خط جوي مباشر بين مطاري صنعاء وطهران، متعهدة باستمرار الرحلات "مهما كانت النتائج والتداعيات".

وتكتسب الخطوة أبعاداً تتجاوز نقل الوفود، إذ يرى مراقبون أنها تمثل إعلاناً عملياً عن إعادة إحياء الجسر الجوي الذي استخدمته طهران عام 2015 لترسيخ حضورها في اليمن، عندما كثفت رحلاتها إلى صنعاء قبيل انطلاق عمليات التحالف العربي، وهو ما يعيد إلى الواجهة المخاوف من استخدام الرحلات المدنية غطاءً لنقل الخبراء والمعدات العسكرية وتعزيز قدرات الحوثيين.

ويزيد من تلك المخاوف اختيار شركة "ماهان إير" لتنفيذ الرحلات، وهي شركة مدرجة على قوائم العقوبات الأمريكية بسبب اتهامات بارتباطها بفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني واستخدامها في نقل عناصر ومعدات مرتبطة بالأنشطة العسكرية الإيرانية في المنطقة، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن طبيعة الأهداف الحقيقية لفتح هذا الخط الجوي.

ويرى محللون أن توقيت الخطوة ليس منفصلاً عن التحولات التي تشهدها المنطقة، فبعد الضربات التي تعرض لها النفوذ الإيراني في عدد من الساحات الإقليمية، تبدو طهران حريصة على تأكيد أن اليمن لا يزال يمثل إحدى أهم أوراقها الاستراتيجية، وأن البحر الأحمر وباب المندب سيبقيان ضمن دائرة نفوذها وقدرتها على الضغط الإقليمي.

وفي الداخل اليمني، قوبلت الرحلة الإيرانية برفض رسمي واسع، إذ عقد مجلس القيادة الرئاسي اجتماعاً طارئاً وصف خلاله تسيير الرحلة بأنه "انتهاك صارخ لسيادة الجمهورية اليمنية وتحدٍ سافر للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن"، مؤكداً أن استخدام المنافذ الجوية اليمنية خارج سلطة الدولة يمثل تكريساً لهيمنة المليشيات على مؤسسات البلاد وتسخيرها لخدمة المشروع الإيراني.

وحمل المجلس إيران ومليشيا الحوثي المسؤولية الكاملة عن تداعيات هذه الخطوة، معتبراً أنها لا تستهدف اليمن وحده، بل تمثل تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي والدولي، وتقويضاً للجهود التي تقودها الأمم المتحدة والسعودية والشركاء الدوليون لإحياء العملية السياسية وإنهاء الصراع.

ولم يقتصر التصعيد على الجانب السياسي، إذ أعقب الرحلة مباشرة تصعيد عسكري وإعلامي من جانب الحوثيين، بعدما هدد المتحدث العسكري للجماعة باستهداف مطارات ومنشآت حيوية داخل المملكة العربية السعودية، مدعياً التصدي لطائرات حربية حاولت منع هبوط الطائرة الإيرانية في صنعاء.

ورد تحالف دعم الشرعية في اليمن على تلك التهديدات بالتأكيد على الجاهزية الكاملة للتعامل مع أي اعتداء، معلناً أنه سيرد "بكل حزم وبقوة غير مسبوقة" على أي محاولة لاستهداف المملكة أو انتهاك سيادة الجمهورية اليمنية، معتبراً أن تهديدات الحوثيين تمثل امتداداً لسلوكهم العدائي وتقويضهم المستمر للأمن الإقليمي والملاحة الدولية.

وتثير إعادة فتح الخط الجوي أيضاً مخاوف متزايدة من تحول مطار صنعاء إلى منصة لوجستية دائمة لدعم العمليات العسكرية للحوثيين، في ظل اتهامات متكررة للحكومة اليمنية باستخدام المطار والرحلات الإنسانية لنقل قيادات وخبراء تابعين للمليشيات، بينما يظل ملايين اليمنيين يعانون صعوبات السفر والتنقل والحصول على العلاج، نتيجة القيود التي فرضتها الجماعة وإغلاقها للطرق الرئيسية بين المحافظات.

وتشير بيانات مفتوحة المصدر إلى أن مطار صنعاء شهد خلال يونيو 2026 وحده عشرات الرحلات بطائرات مختلفة الأحجام، غالبيتها تحت غطاء العمل الإنساني، وهو ما عزز المخاوف من استغلال تلك الرحلات لتمرير تقنيات وخبرات عسكرية إلى الجماعة، خاصة بعد الإعلان الرسمي عن فتح خط إمداد جوي مباشر مع طهران.

ويرى مراقبون أن إعادة تشغيل هذا الخط تمثل محاولة إيرانية لفرض معادلة جديدة في الصراع اليمني، تقوم على تثبيت نفوذها المباشر داخل اليمن وإعادة بناء قنوات الإمداد بعيداً عن الرقابة البحرية التي نجحت خلال السنوات الماضية في اعتراض العديد من شحنات الأسلحة الإيرانية الموجهة للحوثيين.

كما ينظر إلى الخطوة باعتبارها اختباراً لمدى قدرة الحكومة اليمنية والمجتمع الدولي على فرض قرارات مجلس الأمن المتعلقة بحظر تسليح الحوثيين، ومنع استخدام الأراضي والمنافذ اليمنية لخدمة أجندات عسكرية عابرة للحدود.

وفي الوقت الذي تبرر فيه مليشيات الحوثي فتح الخط الجوي بأنه يهدف إلى "كسر الحصار"، يرى منتقدون أن الوقائع على الأرض تعكس مفارقة لافتة؛ إذ ظل المطار لسنوات منفذاً لتنقل قيادات الجماعة وخبرائها، بينما بقيت احتياجات ملايين اليمنيين للسفر والعلاج رهينة الاعتبارات السياسية والعسكرية، في مشهد يعزز الاتهامات باستخدام الملف الإنساني وسيلة للابتزاز السياسي، وتوظيف المرافق المدنية لخدمة المشروع العسكري للمليشيات وداعميها الإقليميين.