البريد اليمني.. من رمز للثقة الوطنية إلى مؤسسة تبحث عن الإنقاذ
الجنوب - منذ ساعة و 27 دقيقة
عدن، نيوزيمن، خاص:
في الوقت الذي تتسارع فيه دول العالم نحو تحديث خدماتها البريدية، وتحويلها إلى منصات متكاملة تجمع بين الخدمات المالية واللوجستية والرقمية، يقف البريد اليمني اليوم أمام واقع معقد يثير تساؤلات واسعة حول مصير واحدة من أقدم المؤسسات الوطنية وأكثرها ارتباطاً بالحياة اليومية للمواطنين.
فالبريد اليمني لم يكن يوماً مجرد مبانٍ أو مكاتب متناثرة في المدن والأحياء، بل شكل عبر عقود طويلة أحد أبرز مظاهر حضور الدولة في تفاصيل حياة الناس. كان نافذة تربط المواطن بمؤسسات الدولة، وجسراً يصل المدن بالقرى، ووعاءً يختزن رسائل المواطنين ومعاملاتهم ومدخراتهم، ليغدو رمزاً للثقة والانضباط والخدمة العامة.
غير أن هذا الدور الحيوي بدأ بالتراجع بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، إذ أغلقت العديد من مكاتب البريد أبوابها في عدد من المحافظات، وتقلصت الخدمات التي كانت تمثل يوماً جزءاً أساسياً من الحياة اليومية للمواطنين، ما عكس حالة من الانكماش في دور المؤسسة ومكانتها.
وفي ظل هذا الفراغ، برزت بدائل من القطاع الخاص، وعلى رأسها شركات ومحلات الصرافة، التي توسعت بشكل لافت لتقديم خدمات مالية وتحويلات كان يمكن أن تشكل إحدى ركائز عمل مؤسسة بريد حديثة ومتطورة، قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والرقمية.
هذا الواقع يفتح الباب أمام مجموعة من التساؤلات الجوهرية: كيف وصلت مؤسسة بهذا الحجم والأهمية إلى هذه المرحلة من التراجع؟ وأين غابت الخطط الاستراتيجية الكفيلة بإعادة تأهيلها وتطويرها؟ ولماذا لم تحظَ هذه المؤسسة السيادية، المرتبطة بهيبة الدولة وخدماتها المباشرة، بأولوية ضمن برامج الإصلاح المؤسسي؟
وتشير التجارب الدولية إلى أن مؤسسات البريد لم تعد تقتصر على نقل الرسائل والطرود، بل تحولت في العديد من الدول إلى مراكز متقدمة للخدمات المالية والحكومية والتجارة الإلكترونية. بل وأصبحت في بعض البلدان ذراعاً تنموية تصل إلى المناطق النائية وتقدم خدمات شاملة بكفاءة عالية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي حديث عن إنقاذ البريد اليمني لا ينبغي أن يقتصر على بعده الخدمي فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى كونه قضية ترتبط بحضور الدولة وقدرتها على توفير خدماتها الأساسية لمواطنيها. فضعف المؤسسات العامة أو توقفها عن أداء دورها لا يعني خسارة خدمة فقط، بل يمثل تراجعاً في مستوى الثقة بين المواطن والدولة.
وتقع مسؤولية إعادة الاعتبار للبريد اليمني اليوم على عاتق الجهات المعنية، وفي مقدمتها وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، عبر تبني رؤية شاملة لا تقتصر على إعادة فتح المكاتب المغلقة، بل تمتد إلى تحديث البنية المؤسسية، وتطوير الخدمات، واستثمار الإمكانيات البشرية والتاريخية التي يمتلكها البريد، ليصبح جزءاً فاعلاً من منظومة الإصلاح الإداري والاقتصادي.
إن قوة الدول لا تقاس فقط بما تنشئه من مؤسسات جديدة، بل بقدرتها على حماية مؤسساتها العريقة وتطويرها لتبقى قريبة من الناس وفاعلة في حياتهم اليومية. والبريد اليمني، بما يحمله من تاريخ ودور وطني، يستحق فرصة جديدة للحياة، لا كمرفق تقليدي، بل كمؤسسة حديثة تعيد للدولة حضورها في تفاصيل حياة المواطنين.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل نشهد قريباً تحركاً جاداً يعيد للبريد اليمني مكانته ودوره؟ أم سيظل هذا الصرح التاريخي مجرد ذكرى في ذاكرة جيل عرفه يوماً وتعايش مع تراجعه اليوم؟
>
