مصافي عدن.. الحل الغائب لأزمات الكهرباء والوقود وسط صمت حكومي

السياسية - منذ ساعة و 25 دقيقة
عدن، نيوزيمن، خاص:

في الوقت الذي تتكرر فيه أزمات الوقود والانقطاعات الطويلة للكهرباء في العاصمة عدن، تتصاعد التساؤلات بشأن استمرار عجز مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية عن إعادة تشغيل مصافي عدن، إحدى أهم المنشآت الاقتصادية والاستراتيجية في البلاد، والمتوقفة عن التكرير منذ عام 2015.

ويرى خبراء اقتصاديون أن إعادة تشغيل المصفاة تمثل أحد أبرز الحلول العملية لمعالجة أزمتي الوقود والكهرباء، إذ ستوفر المشتقات النفطية للسوق المحلية ومحطات التوليد، وتحد من الاعتماد على الاستيراد والمنح الخارجية، فضلاً عن تعزيز إيرادات الدولة واستقرار العملة الوطنية.

وبحسب خبراء اقتصاديون إن الحكومة تستطيع تعويض جزء من خسائر توقف تصدير النفط عبر إعادة تشغيل مصافي عدن وإنشاء مصافٍ جديدة في حضرموت وشبوة لتكرير الخام المحلي وبيعه في السوق اليمنية، مؤكدين أن "اليمن يبيع النفط محلياً دون دعم وبالسعر العالمي"، وأنه "حتى مع استمرار صعوبات استئناف التصدير، يمكن استغلال النفط المحلي لتغطية جزء من احتياجات السوق وتحقيق موارد للدولة".

عائدات النفط تمثل المصدر الأهم لتدفق النقد الأجنبي، إذ تسهم في دعم الاحتياطيات الخارجية وتمويل الواردات والحفاظ على استقرار سعر الصرف، والحكومة اليمنية التي تسعى لتحقيق التوازن بين الإيرادات والنفقات خلال عام 2026، لجأت إلى رفع سعر صرف الدولار الجمركي لتعويض تراجع الإيرادات، بينما لا تزال مصافي عدن، القادرة على توفير مورد اقتصادي مستدام، خارج دائرة التشغيل.

وفي السياق ذاته، أجرت الحكومية اليمنية مباحثات مع شركة هنت الأمريكية خلال الأيام الماضية تتعلق بعمليات الاستكشاف والتنقيب عن النفط، وهي مشاريع تحتاج إلى ما لا يقل عن 18 شهراً قبل ظهور نتائجها، ولا ترتبط باستئناف تصدير النفط أو حل أزمة الوقود الحالية.

وتشير بيانات اقتصادية إلى أن اليمن يستهلك نحو 100,734 برميلاً من النفط يومياً، فيما يمتلك احتياطيات مؤكدة تقدر بنحو 3 مليارات برميل حتى عام 2025، وهو ما يضعه في المرتبة السابعة والعشرين عالمياً من حيث الاحتياطيات النفطية، الأمر الذي يعزز، بحسب مختصين، جدوى إعادة تشغيل المصافي لتغطية احتياجات السوق المحلية.

في المقابل، تربط تقارير اقتصادية استمرار تعطل مصافي عدن بوجود مصالح سياسية ومالية معقدة نشأت منذ تحرير المدينة عام 2015، حيث يتحدث مراقبون عن استفادة شبكات نافذة من استمرار استيراد المشتقات النفطية، بما يضمن لها أرباحاً ضخمة على حساب الاقتصاد الوطني.

وتشير تلك التقارير إلى اتهامات بوجود شبكات فساد مرتبطة بحزب التجمع اليمني للإصلاح، بالتعاون مع جماعة الحوثي، تهيمن على سوق استيراد الوقود، معتبرة أن استمرار توقف المصفاة لا يرتبط بعوائق فنية بقدر ارتباطه بحماية مصالح المستفيدين من تجارة الاستيراد، وهي اتهامات لم يصدر بشأنها رد من الجهات المعنية.

وبحسب التقديرات الواردة في تلك التقارير، فإن أرباح استيراد شحنة نفط واحدة، تبلغ نحو 50 ألف طن، قد تصل إلى نحو ألف دولار للطن الواحد، فيما يمكن لإعادة تشغيل المصفاة أن تعيد أكثر من 100 مليون دولار سنوياً إلى إيرادات الدولة، فضلاً عن إنهاء احتكار استيراد الوقود.

كما تتحدث التقارير عن تعرض مصافي عدن خلال السنوات الماضية لعمليات استنزاف شملت نهب أرصدتها المالية والاستيلاء على معدات وسفن تابعة لها، في ظل غياب إجراءات حكومية حاسمة لإعادة تأهيلها، رغم صدور توجيهات بإعداد خطة زمنية لإعادة تشغيلها.

من جانبه، تساءل الناشط محسن أبو زياد عن أسباب استمرار تعطيل هذا الصرح الاقتصادي، قائلاً: "مصافي عدن.. متى يعود هذا الصرح العظيم للعمل؟"، معتبراً أن تخلي الدولة عن سياسة الاعتماد على استيراد الوقود المكرر وإعادة تشغيل المصفاة سيحقق مكاسب واسعة للدولة والمواطنين.

وأوضح أن برميل النفط الخام، الذي يبلغ سعره نحو 70 دولاراً، ينتج بعد التكرير البنزين والديزل ووقود الطائرات والغاز المنزلي والزيوت والأسفلت ومنتجات أخرى، مشيراً إلى أن تكرير مليون برميل خام بتكلفة إجمالية تتراوح بين 75 و78 مليون دولار يمكن أن يحقق قيمة سوقية تتراوح بين 85 و95 مليون دولار، أي أرباحاً تتراوح بين 10 و17 مليون دولار في الظروف المناسبة.

وأكد أبو زياد أن المكاسب لا تقتصر على الأرباح المالية، بل تشمل توفير آلاف فرص العمل، وإنهاء احتكار تجارة الوقود، وضمان توفير المشتقات لمحطات الكهرباء، وخفض أسعار الوقود وتذاكر السفر، وخلق مورد اقتصادي مستدام للدولة.

بدوره، أرجع الناشط عزمي محمد آل عبدالباقي جانباً كبيراً من أزمة الكهرباء في عدن إلى غياب الوقود اللازم لتشغيل المحطات، مشيراً إلى أن المدينة كانت تتمتع قبل سنوات بشبكة كهربائية مستقرة تمتد إلى محافظات عدة، قبل أن تتجه الدولة إلى الاعتماد على الطاقة المشتراة.

وقال: "بعد 2015 كم محطة دخلت الخدمة في عدن؟ المشكلة الأساسية هي المحروقات، ولو تم إعادة تشغيل مصافي عدن ستنتهي أغلب المعاناة"، معتبراً أن تشغيل المصفاة سيؤمن الوقود اللازم لمحطات التوليد ويعيد قدراً كبيراً من الاستقرار للخدمة.

ويرى مراقبون أن استمرار تعطل مصافي عدن، رغم الحاجة الملحة إليها، يعكس إخفاقاً حكومياً في إدارة أحد أهم الملفات الاقتصادية، ويطرح تساؤلات جدية حول قدرة مجلس القيادة الرئاسي والحكومة على استثمار الموارد الوطنية، في وقت تواجه فيه عدن والمحافظات المحررة واحدة من أسوأ أزمات الكهرباء والوقود في تاريخها.