خلايا إيرانية سرية في العراق لاستهداف دول الخليج
السياسية - منذ ساعة و 50 دقيقة
عدن، نيوزيمن:
كشفت صحيفة العرب اللندنية عن مؤشرات على تحول نوعي في الاستراتيجية الإيرانية داخل العراق، مع اتجاه الحرس الثوري الإيراني إلى إنشاء خلايا سرية صغيرة ومرنة تعمل خارج الأطر التقليدية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، في خطوة تعكس محاولة لإعادة صياغة أدوات النفوذ الإيراني في المنطقة بعد المتغيرات التي فرضتها الحرب الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
ووفقاً لتحليل نشرته الصحيفة، فإن إيران التي اعتمدت طوال العقدين الماضيين على شبكة واسعة من الفصائل المسلحة المنتشرة في العراق ولبنان وسوريا واليمن، بدأت تتجه نحو نموذج عملياتي جديد يقوم على مجموعات محدودة العدد ترتبط مباشرة بالحرس الثوري الإيراني، وتعمل بسرية أكبر بعيداً عن الهياكل التنظيمية المعروفة التي باتت أكثر عرضة للضغوط السياسية والأمنية.
ويرى التحليل أن هذا التحول لا يعكس مجرد تغيير تكتيكي في أساليب العمل، بل يمثل إعادة هيكلة شاملة لأدوات النفوذ الإيراني في المنطقة، خاصة في ظل ما تعرض له ما يعرف بـ"محور المقاومة" من خسائر عسكرية وأمنية خلال الفترة الماضية، إضافة إلى التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجهها طهران داخلياً وخارجياً.
ونقلت الصحيفة عن مصادر عراقية متعددة أن الخلايا الجديدة تتكون من مقاتلين عراقيين شيعة تلقوا تدريبات عسكرية متقدمة، ويعملون ضمن مجموعات صغيرة لا يتجاوز عدد أفرادها عادة عشرة عناصر، بما يتيح لها التحرك بسرعة وتنفيذ مهامها بعيداً عن الأنظار، ويمنحها قدرة أكبر على التكيف مع المتغيرات الميدانية مقارنة بالتشكيلات العسكرية التقليدية.
وبحسب المعلومات التي استعرضها التحليل، فإن بعض هذه الخلايا شاركت بالفعل في تنفيذ عمليات بطائرات مسيرة انطلقت من مناطق صحراوية جنوب العراق واستهدفت مواقع في السعودية والإمارات والكويت خلال الأسابيع التي أعقبت المواجهة العسكرية الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة.
وتكمن أهمية هذه المعلومات، وفقاً للصحيفة، في أنها تكشف عن توجه إيراني لتقليص الاعتماد على الفصائل المسلحة التقليدية التي كانت تمثل لعقود الذراع التنفيذية للسياسات الإيرانية في المنطقة، مقابل تعزيز دور شبكات أصغر حجماً وأكثر ارتباطاً بالحرس الثوري بشكل مباشر.
ويرى مراقبون أن هذا التوجه يمنح القيادة الإيرانية هامشاً أوسع للتحكم في العمليات الميدانية واتخاذ القرار العسكري بعيداً عن الاعتبارات السياسية المحلية التي أصبحت تؤثر بشكل متزايد على سلوك بعض الفصائل العراقية.
ويشير التحليل إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تغيراً ملحوظاً في مواقف عدد من الفصائل العراقية النافذة، التي بدأت تميل إلى تقليص دورها العسكري والانخراط بصورة أكبر في العملية السياسية العراقية، استجابة لضغوط داخلية وخارجية متزايدة تطالب بحصر السلاح بيد الدولة وإنهاء ظاهرة الجماعات المسلحة الخارجة عن المؤسسات الرسمية.
كما أن بعض تلك الفصائل أبدت استعداداً لإعادة تنظيم أوضاعها أو دمج جزء من تشكيلاتها ضمن مؤسسات الدولة، في خطوة اعتبرها كثير من المراقبين مؤشراً على تغير البيئة السياسية والأمنية التي عملت فيها الجماعات المسلحة خلال السنوات الماضية.
ومن وجهة نظر إيرانية، فإن هذه التحولات تمثل تهديداً مباشراً لنفوذها التقليدي داخل العراق، إذ قد تؤدي إلى تقليص قدرة طهران على توظيف الفصائل المسلحة في تنفيذ أجندتها الإقليمية. ولذلك، يبدو أن الحرس الثوري يسعى إلى إنشاء بدائل أكثر ولاءً وأقل تأثراً بالضغوط السياسية العراقية.
وتؤكد المصادر التي استند إليها التحليل أن بعض عناصر الخلايا السرية ينتمون في الأصل إلى فصائل معروفة ضمن ما يسمى بـ"المقاومة الإسلامية في العراق"، إلا أنهم يعملون خارج التسلسل القيادي التقليدي لتلك الفصائل ويرفعون تقاريرهم مباشرة إلى الحرس الثوري الإيراني، الأمر الذي يعزز فرضية وجود منظومة موازية يجري بناؤها بعيداً عن الهياكل التنظيمية المعتادة.
ويعكس هذا التطور، بحسب الصحيفة، وجود فجوة متنامية بين المصالح الإيرانية والأولويات الجديدة لبعض الفصائل العراقية التي باتت أكثر انشغالاً بالوضع الداخلي العراقي وبالحفاظ على مكاسبها السياسية والاقتصادية، مقارنة بالانخراط في صراعات إقليمية قد تجر البلاد إلى مواجهات جديدة.
وفي الجانب الأمني، حذر التحليل من أن ظهور هذه الخلايا قد يفتح فصلاً جديداً من التحديات الأمنية في المنطقة، خصوصاً بالنسبة لدول الخليج العربي التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية أو ترتبط بعلاقات أمنية وثيقة مع واشنطن.
فإذا صحت التقارير المتعلقة بتنفيذ هجمات انطلقت من الأراضي العراقية باتجاه أهداف في السعودية والإمارات والكويت، فإن ذلك قد يعيد العراق إلى واجهة التوترات الإقليمية باعتباره منصة تستخدمها أطراف خارجية لتوجيه رسائل أمنية وعسكرية إلى خصومها.
كما يضع هذا التطور الحكومة العراقية أمام اختبار صعب، في ظل محاولاتها المستمرة لترسيخ سلطة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقات متوازنة مع إيران التي تمثل شريكاً مهماً لبغداد في العديد من الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية.
ويرى التحليل أن أي تأكيد رسمي لوجود مثل هذه الخلايا سيزيد من الضغوط الأمريكية على الحكومة العراقية لاتخاذ خطوات أكثر صرامة ضد الجماعات المسلحة المرتبطة بطهران، خاصة أن واشنطن أكدت مراراً رفضها استخدام الأراضي العراقية لتهديد المصالح الأمريكية أو أمن حلفائها في المنطقة.
وفي سياق متصل، لفتت الصحيفة إلى أن الاتفاق الأمريكي الإيراني الأخير، الذي أنهى المواجهة العسكرية المباشرة بين الطرفين وفتح الباب أمام مفاوضات جديدة حول البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية، لم يتناول بصورة مباشرة ملف الجماعات المسلحة الحليفة لإيران في المنطقة.
ويعني ذلك أن هذا الملف سيظل أحد أبرز مصادر التوتر وعدم الاستقرار خلال المرحلة المقبلة، حتى في حال تحقيق تقدم في المفاوضات السياسية بين طهران وواشنطن.
وترى الصحيفة أن التحول نحو الخلايا السرية يعكس تغيراً في فلسفة العمل التي يتبناها الحرس الثوري الإيراني، فبدلاً من الاعتماد على تشكيلات كبيرة ذات حضور علني يسهل رصدها واستهدافها، تتجه إيران إلى بناء شبكات صغيرة ومتخصصة قادرة على تنفيذ عمليات دقيقة مع الحفاظ على درجة عالية من السرية والمرونة.
ويشبه هذا النموذج، بحسب التحليل، الأساليب التي تعتمدها أجهزة الاستخبارات والتنظيمات غير النظامية في مناطق النزاعات، حيث يجري التركيز على العمل الخلوي والعمليات المحدودة التي تحقق تأثيراً سياسياً وأمنياً دون الحاجة إلى حشد قوات كبيرة أو تحمل كلفة المواجهات المفتوحة.
ويخلص التحليل إلى أن تشكيل هذه الخلايا لا يمثل مجرد إجراء أمني مؤقت، بل يعبر عن استراتيجية إيرانية جديدة لإعادة بناء النفوذ الإقليمي بأدوات أقل ظهوراً وأكثر قدرة على التكيف مع البيئة السياسية والأمنية المتغيرة. غير أن نجاح هذه المقاربة سيظل مرهوناً بقدرة طهران على إدارة التوازنات المعقدة في العراق والمنطقة، وبمدى استعداد الحكومات المعنية لمواجهة هذا النمط الجديد من التحديات الأمنية.
>
