التعليم المختطف.. كيف وظفت جماعة الحوثي المناهج الدراسية لخدمة المشروع الطائفي؟
السياسية - منذ ساعة و 33 دقيقة
صنعاء، نيوزيمن، تقرير خاص:
في الوقت الذي يُنظر فيه إلى التعليم باعتباره الركيزة الأساسية لبناء الأوطان وصناعة مستقبل الأجيال، تتواصل التحذيرات من خطورة التغييرات التي أجرتها جماعة الحوثي على المناهج الدراسية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وسط اتهامات متزايدة للجماعة بتوظيف العملية التعليمية لخدمة مشروعها الأيديولوجي والطائفي، بما يهدد الهوية الوطنية اليمنية ويعمق حالة الانقسام داخل المجتمع.
وفي هذا السياق، أكد نائب وزير التربية والتعليم الدكتور علي العباب، أن جماعة الحوثي تواصل استهداف قطاع التعليم منذ انقلابها على الدولة عام 2014، عبر إجراء تعديلات واسعة على المناهج الدراسية وإقحام مضامين ذات طابع طائفي وسياسي، بهدف تشكيل وعي الأجيال القادمة وفقاً لأفكار الجماعة ومشروعها الخاص.
وأوضح العباب، في لقاء تلفزيوني مع قناة الحدث، أن الجماعة لم تكتفِ بتغيير المناهج، بل عملت على استغلال المؤسسات التعليمية لتجنيد الأطفال والزج بهم في جبهات القتال، في الوقت الذي تواصل فيه الحكومة الشرعية التمسك بمنهج تعليمي وطني موحد يستند إلى الثوابت الوطنية ويحافظ على الهوية اليمنية والنظام الجمهوري.
انقسام تعليمي يهدد وحدة المجتمع
وتشهد اليمن منذ سنوات حالة غير مسبوقة من الانقسام التعليمي نتيجة وجود منهجين مختلفين في مناطق الحكومة الشرعية ومناطق سيطرة الحوثيين، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على مخرجات العملية التعليمية وعلى طبيعة القيم والمفاهيم التي يتلقاها الطلاب.
ويؤكد نائب وزير التربية أن هذا الانقسام يعود بشكل رئيسي إلى إصرار الجماعة الحوثية على فرض مناهج وأفكار دخيلة تخدم أهدافها السياسية، مشدداً على أن استعادة مؤسسات الدولة والمنظومة التعليمية تمثل المدخل الحقيقي لإنهاء هذه الأزمة وضمان حق الطلاب في تعليم وطني موحد.
مئات التعديلات على المناهج
وبحسب بيانات وإحصائيات رسمية وتقارير متخصصة، أجرت جماعة الحوثي ما يقارب 530 تغييراً على المناهج الدراسية، تركزت النسبة الأكبر منها في مناهج المرحلة الابتدائية، وتحديداً من الصف الأول وحتى السادس الأساسي.
وشملت التعديلات مواد التاريخ والقراءة والتربية الإسلامية والقرآن الكريم، حيث تم إدخال مضامين وأفكار مرتبطة بأيديولوجية الجماعة، مع التركيز على نصوص ومفاهيم مرتبطة بالحرب والقتال والصراع، في خطوة اعتبرها تربويون محاولة لإعادة تشكيل وعي الأطفال في مراحل عمرية مبكرة.
كما أظهرت تقارير وتحقيقات استقصائية أن نسبة التغيير في بعض المناهج الأدبية والدينية تجاوزت 75%، فيما تراوحت التعديلات في المرحلتين الإعدادية والثانوية بين 60 و65%، ما يعكس حجم التحولات التي شهدها المحتوى التعليمي خلال السنوات الماضية.

التعليم أداة للتعبئة الفكرية
ويرى مراقبون أن أخطر ما في هذه التعديلات لا يكمن في تغيير النصوص والمعلومات فحسب، بل في تحويل المدرسة من مؤسسة تعليمية إلى منصة للتعبئة الفكرية والأيديولوجية.
فإلى جانب تعديل المناهج، عملت الجماعة على تعيين عناصر موالية لها في العديد من المدارس، وتنظيم دورات ثقافية وفكرية تستهدف الطلاب والشباب، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة من توظيف التعليم في خدمة مشروع سياسي وطائفي طويل الأمد.
ويحذر خبراء من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى إنتاج أجيال مشبعة بخطاب الكراهية والانقسام، ويقوض فرص التعايش الاجتماعي ويهدد السلم الأهلي في المستقبل.
انتهاك للقوانين والمواثيق الدولية
حقوقيون وخبراء قانونيون يؤكدون أن تسييس التعليم وإخضاع المناهج لأجندات سياسية أو مذهبية يمثل انتهاكاً صريحاً للدستور اليمني الذي ينص على أن التعليم وسيلة لترسيخ القيم الوطنية والإنسانية وتعزيز الوحدة الوطنية.
كما أن إدخال مضامين تحرض على العنف أو التمييز يتعارض مع الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وفي مقدمتها اتفاقية حقوق الطفل، التي تحظر استغلال التعليم لنشر الكراهية أو التحريض على العنف.
ويشير هؤلاء إلى أن العبث بالمناهج لا ينعكس على الطلاب فقط، بل يمتد أثره إلى المجتمع بأكمله، باعتبار التعليم أحد أهم أدوات بناء الوعي الجماعي وصياغة الهوية الوطنية.
تحركات حكومية ودولية
وأكد نائب وزير التربية والتعليم أن الحكومة اليمنية وجهت خلال السنوات الماضية مناشدات متكررة للمنظمات الدولية المعنية بالتعليم والطفولة، وفي مقدمتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، من أجل الضغط لتحييد العملية التعليمية ومنع فرض أو طباعة مناهج مخالفة للمناهج الوطنية المعتمدة قبل عام 2014.
وأشار إلى أن الجماعة الحوثية دأبت على التنصل من التفاهمات والاتفاقات المتعلقة بالقطاع التعليمي، ما أدى إلى استمرار الأزمة وتفاقم آثارها على ملايين الطلاب في مناطق سيطرتها.
معركة الهوية والمستقبل
ويرى مراقبون أن معركة التعليم في اليمن لم تعد تقتصر على تطوير المناهج أو تحسين البيئة المدرسية، بل أصبحت معركة مرتبطة بالحفاظ على الهوية الوطنية وصون قيم الدولة اليمنية ومؤسساتها.
وفي ظل استمرار الانقسام القائم، تتزايد الدعوات المحلية والدولية لتحييد التعليم عن الصراعات السياسية والعسكرية، باعتباره حقاً أساسياً لكل طفل يمني، وضمانة رئيسية لبناء مستقبل أكثر استقراراً وأمناً.
ويؤكد مختصون أن حماية العملية التعليمية من الاستقطاب السياسي والطائفي تمثل أولوية وطنية ملحة، وأن أي جهود لإعادة بناء الدولة اليمنية لن تكتمل دون استعادة التعليم لدوره الحقيقي كمساحة للمعرفة والتنوير وترسيخ قيم المواطنة والتعايش، بعيداً عن الصراعات والأجندات الأيديولوجية.
>
