تقرير أمريكي: الحرب أعادت تشكيل إيران وعززت نفوذها الإقليمي

السياسية - منذ ساعة و 37 دقيقة
واشنطن، نيوزيمن، ترجمة:

قالت مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران لم تؤدِ إلى إضعاف الجمهورية الإسلامية أو الدفع نحو انهيار النظام السياسي في طهران  كما تراهن عليها واشنطن وتل أبيب، بل ساهمت في إحداث تحولات عميقة داخل بنية الدولة الإيرانية، وأنتجت ما وصفته المجلة بـ"إيران الجديدة" التي تستعد لإعادة صياغة دورها الإقليمي وترتيب أولوياتها الاستراتيجية خلال السنوات المقبلة.

وقالت المجلة إن إيران التي خرجت من أتون الحرب تختلف عن تلك التي دخلتها، إذ دفعت المواجهة العسكرية القيادة الإيرانية إلى إعادة تقييم سياساتها العسكرية والاقتصادية والأمنية، بالتوازي مع صعود جيل جديد من القادة يتبنى مقاربة أكثر براغماتية في إدارة الدولة وأقل ارتباطاً بالشعارات الثورية التقليدية التي طبعت العقود الأولى للجمهورية الإسلامية.

وأكد التقرير أن هذه التحولات لن تقتصر على الداخل الإيراني فحسب، بل ستنعكس على مجمل المشهد الإقليمي، خصوصاً في ظل سعي طهران لترسيخ ما تعتبره مكاسب استراتيجية حققتها خلال الحرب.

انتقال هادئ للسلطة

بحسب التقرير، فإن أحد أبرز التغيرات التي أفرزتها الحرب تمثل في تسريع عملية انتقال السلطة داخل النظام الإيراني، حيث أفسحت المواجهات العسكرية المجال أمام صعود جيل جديد من القيادات المرتبطة بالحرس الثوري والمؤسسات الأمنية والعسكرية.

وأشار التقرير إلى أن هذا الجيل يختلف عن جيل مؤسسي الثورة الإسلامية الذين تشكل وعيهم السياسي خلال مرحلة إسقاط نظام الشاه ومواجهة النفوذ الأمريكي في إيران، إذ نشأ القادة الجدد داخل مؤسسات الجمهورية الإسلامية وتدرجوا في مواقعها المختلفة، ما جعلهم أكثر ارتباطاً بمفهوم الدولة ومؤسساتها من ارتباطهم بالشعارات الثورية التقليدية.

ولفتت المجلة إلى أن القادة الجدد ينظرون إلى إدارة الدولة باعتبارها أولوية قصوى، ويركزون على معالجة التحديات الأمنية والاقتصادية من منظور قومي وبراغماتي، الأمر الذي أدى إلى ظهور توجهات جديدة داخل مراكز صنع القرار تقوم على تعزيز الكفاءة المؤسسية وتطوير أدوات الحكم بدلاً من التركيز على الخطاب الأيديولوجي.

كما اعتبرت المجلة أن عملية الخلافة السياسية التي أعقبت مقتل المرشد الأعلى السابق علي خامنئي أظهرت قدرة مؤسسات النظام على الحفاظ على تماسكها واستمراريتها رغم الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب. وأشارت إلى أن القيادة الإيرانية الجديدة دخلت الحرب الثانية وهي أكثر استعداداً من الناحية العسكرية والتنظيمية، بعدما أجرت مراجعات واسعة للدروس المستفادة من المواجهات السابقة مع إسرائيل والولايات المتحدة.

وقالت إن الحرس الثوري والقوات المسلحة الإيرانية أعادا هيكلة منظومات القيادة والسيطرة، مع التركيز على تعزيز المرونة العملياتية وتوزيع القدرات العسكرية على نطاق جغرافي واسع، بما يضمن استمرار العمليات حتى في حال تعرض مراكز القيادة الرئيسية للاستهداف.

وأضاف التقرير أن إيران استثمرت بشكل كبير في تطوير قدراتها الصاروخية والطائرات المسيّرة، كما اعتمدت على تكتيكات الاستنزاف وإطالة أمد المواجهة بهدف إنهاك الخصوم واستنزاف مخزوناتهم الدفاعية.

ورأت المجلة أن المؤسسة العسكرية الإيرانية لم تكتفِ بامتصاص الضربات، بل نجحت في تحويل بعض نقاط ضعفها إلى عناصر قوة من خلال الاعتماد على الحرب غير المتكافئة والمرونة التنظيمية، ما سمح لها بالحفاظ على قدرتها القتالية رغم حجم الضغوط العسكرية التي واجهتها.

توازن قوى جديد

اعتبرت المجلة أن أهم نتيجة للحرب تمثلت في ظهور توازنات جديدة للقوة في منطقة الشرق الأوسط، حيث استطاعت إيران – من وجهة نظر التقرير – أن تثبت قدرتها على الصمود أمام واحدة من أعنف الحملات العسكرية التي تعرضت لها منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية.

وأوضحت أن طهران نجحت في فرض نفسها طرفاً أساسياً في أي معادلة أمنية مستقبلية تخص الخليج العربي، مستفيدة من موقعها الجغرافي وسيطرتها على مضيق هرمز الذي يمثل أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة والطاقة العالمية. وأشار التقرير إلى أن الحرب أثارت تساؤلات لدى العديد من دول المنطقة بشأن فعالية الضمانات الأمنية الأمريكية، خاصة بعد تعرض منشآت حيوية وقواعد عسكرية لهجمات متكررة خلال فترة الصراع.

كما ترى المجلة أن إيران باتت تنظر إلى نفسها بوصفها قوة إقليمية قادرة على التأثير في التوازنات الاستراتيجية، وأن القيادة الجديدة تسعى لترجمة هذه القناعة إلى مكاسب سياسية واقتصادية طويلة الأمد. وأكد التقرير أن الحرب دفعت القيادة الإيرانية إلى إعادة ترتيب أولوياتها الداخلية، بحيث أصبحت قضايا الإدارة والاقتصاد وإعادة الإعمار تتقدم على الاعتبارات الأيديولوجية التقليدية.

وأوضح أن الحكومة الإيرانية شرعت في إطلاق برامج لإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة، إلى جانب تبني إصلاحات اقتصادية تهدف إلى مواجهة تداعيات الحرب والعقوبات. وبحسب المجلة، فإن صناع القرار في طهران باتوا يدركون أن استمرار الاستقرار الداخلي يتطلب تحسين الأداء الاقتصادي والخدمي وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، وهو ما يفسر التوجه المتزايد نحو الإدارة التكنوقراطية واعتماد الكفاءات في مواقع صنع القرار.

وأضاف التقرير أن هذا التحول لا يعني التخلي عن الهوية السياسية للنظام، وإنما يعكس محاولة لإعطاء الأولوية لمتطلبات الحكم وإدارة الدولة في مرحلة ما بعد الحرب.

التحول القومي

ورأت المجلة أن الحرب أسهمت في تعزيز المشاعر القومية داخل المجتمع الإيراني، بعدما تحولت المواجهة العسكرية إلى عامل دفع قطاعات واسعة من الإيرانيين للالتفاف حول الدولة في مواجهة التهديدات الخارجية. وأشارت إلى أن حالة الاستقطاب الحاد التي كانت سائدة قبل الحرب تراجعت نسبياً أمام تصاعد الخطاب الوطني، حيث أصبحت قضايا السيادة والدفاع عن البلاد أكثر حضوراً في المشهد السياسي والاجتماعي.

ولفت التقرير إلى أن الخطاب الرسمي الإيراني شهد بدوره تحولاً ملحوظاً نحو إبراز الرموز الوطنية والتاريخ الإيراني، مع التركيز على الهوية القومية كعنصر جامع لمختلف فئات المجتمع.

وبحسب التقرير، فإن القيادة الإيرانية تسعى إلى بناء عقد اجتماعي جديد يرتكز على مفهوم المواطنة والهوية الوطنية أكثر من اعتماده على الانتماء الأيديولوجي. وقالت المجلة إن الرسائل الإعلامية الرسمية باتت تركز على الوحدة الوطنية والدفاع عن الدولة باعتبارهما أساس الشرعية السياسية، في محاولة لاستقطاب شرائح أوسع من المجتمع الإيراني.

وأضافت أن السلطات تعمل على توظيف نتائج الحرب لتعزيز حالة التماسك الداخلي، مع الإقرار في الوقت ذاته بأن معالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية ستظل عاملاً حاسماً في الحفاظ على هذا التماسك خلال المرحلة المقبلة.

وأشار التقرير إلى أن إيران لم تتجه نحو تقليص نفوذها الإقليمي بعد الحرب، بل أعادت تنظيم علاقاتها مع حلفائها ضمن إطار استراتيجي أكثر وضوحاً. وأوضح أن طهران باتت تنظر إلى حلفائها الإقليميين باعتبارهم جزءاً من منظومة دفاع متكاملة تهدف إلى توسيع نطاق الردع ومنع تركيز الضغوط العسكرية على الجبهة الإيرانية وحدها.

ورأت المجلة أن الحرب عززت قناعة صناع القرار الإيرانيين بأهمية تنسيق التحركات العسكرية والسياسية على أكثر من جبهة في الوقت نفسه، باعتبار ذلك أحد الدروس الرئيسية المستخلصة من المواجهات الأخيرة.

جمهورية إسلامية جديدة

وخلصت "فورين أفيرز" إلى أن الجمهورية الإسلامية تشهد اليوم أكبر تحول داخلي منذ تأسيسها عام 1979، مع انتقال تدريجي من نموذج الثورة الأيديولوجية إلى نموذج الدولة القومية التي تركز على الأمن الوطني والكفاءة الإدارية والمصالح الاستراتيجية.

وأكد التقرير أن الجيل الجديد من القادة يسعى إلى بناء إيران أكثر اعتماداً على مؤسسات الدولة وأقل ارتباطاً بالشخصيات الكاريزمية والشعارات الثورية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الطابع السلطوي للنظام السياسي.

وختمت المجلة بالقول إن ملامح الجمهورية الإسلامية الجديدة ستتحدد إلى حد كبير وفق الدروس التي استخلصتها طهران من حروبها الأخيرة، وإن هذه التحولات قد تجعل إيران لاعباً أكثر تأثيراً في رسم مستقبل الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.