الأدوية المهربة القادمة من إيران.. تجارة الموت الحوثية التي تهدد حياة اليمنيين
السياسية - منذ ساعة و دقيقة
صنعاء، نيوزيمن، خاص:
تكشف عمليات ضبط شحنات الأدوية المهربة القادمة من إيران إلى مناطق سيطرة ميليشيا الحوثي عن وجه آخر للحرب الدائرة في اليمن، حرب لا تُستخدم فيها الصواريخ والطائرات المسيّرة فقط، بل يُستخدم فيها الدواء كسلاح صامت يفتك بالمرضى ويحوّل معاناة اليمنيين إلى سوق سوداء ضخمة تديرها شبكات مرتبطة بالجماعة.
خلال السنوات الماضية أحبطت القوات الحكومية عمليات تهريب واسعة تحوي شحنات ضخمة من الأدوية غير المرخصة معظمها كان قادم من إيران وفي طريقها إلى مناطق سيطرة ميليشيا الحوثي سواء عبر المنافذ البرية أو عن طريق البحر بإتجاه موانئ الحديدة التي تمثل نقطة رئيسية للتهريب الحوثي.
ويرى مراقبون أن عمليات الضبط لا تمثل حوادث معزولة، بل تكشف جانباً من منظومة تهريب واسعة تديرها الجماعة الحوثية عبر موانئ ومنافذ خاضعة لسيطرتها، في إطار اقتصاد موازٍ يقوم على الاحتكار والتهريب والسيطرة على القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها القطاع الصحي.
الدواء إلى أداة للربح والنفوذ
ومنذ سيطرة ميليشيا الحوثي على السلطة تحوّل القطاع الصحي إلى واحدة من أكثر القطاعات اختراقاً من قبل شبكات الفساد والتهريب المرتبطة بقيادات نافذة داخل الجماعة. فبدلاً من دعم استيراد الأدوية المعتمدة والخاضعة للرقابة، اتجهت الجماعة إلى فتح السوق أمام أصناف رديئة ومجهولة المصدر تحقق أرباحاً هائلة لتجار الحرب المرتبطين بها.
ويؤكد مختصون أن تهريب الأدوية لا يقتصر على إدخال منتجات مخالفة للقانون فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى تعريض حياة ملايين اليمنيين للخطر، خصوصاً مع انتشار أدوية لا تتوفر فيها شروط التخزين السليم أو المعايير الطبية الأساسية، فضلاً عن غياب أي رقابة مخبرية حقيقية على فعاليتها وسلامتها.
كما يشير أطباء إلى أن كثيراً من الأدوية المتداولة داخل مناطق سيطرة الحوثيين باتت تفتقر للفعالية المطلوبة، الأمر الذي تسبب في مضاعفات خطيرة لمرضى الأمراض المزمنة والالتهابات والأورام، وسط عجز كثير من الأسر عن توفير البدائل الأصلية بسبب ارتفاع أسعارها أو احتكارها.
وبالتوازي مع فتح المجال أمام الأدوية الإيرانية والمهربة، شنت ميليشيا الحوثي خلال الأعوام الأخيرة حملات واسعة استهدفت شركات الأدوية ووكلاء المصانع العالمية العاملة في صنعاء ومناطق سيطرتها، عبر فرض قيود مالية وإدارية وإجراءات تعسفية أدت إلى إغلاق عدد كبير من الشركات أو تقليص نشاطها بشكل كبير.
ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات لم تكن عشوائية، بل جاءت ضمن خطة لإعادة تشكيل سوق الدواء بما يخدم المصالح الاقتصادية للقيادات الحوثية، من خلال إقصاء الوكلاء المعتمدين واستبدالهم بشركات مستحدثة مرتبطة بالجماعة، حصلت على امتيازات حصرية لاستيراد الأدوية والمستلزمات الطبية.
كارثة إنسانية صامتة
ومع توسع نفوذ هذه الشبكات، تدفقت إلى السوق أصناف منخفضة الجودة قادمة من إيران وأسواق أخرى غير خاضعة للرقابة الدولية، الأمر الذي أدى إلى تراجع خطير في جودة الأدوية المتوفرة داخل المستشفيات والصيدليات.
كما تتهم مصادر طبية الجماعة باستخدام القطاع الصحي كورقة للسيطرة الاقتصادية والابتزاز، من خلال فرض منتجات معينة على المستشفيات والمراكز العلاجية، حتى في الحالات التي يبدي فيها الأطباء اعتراضات واضحة على جودتها أو فعاليتها.
ويقول مختصون إن ما يجري في سوق الدواء بمناطق سيطرة الحوثيين يمثل عملية "إحلال ممنهجة" تهدف إلى تحويل القطاع الصحي إلى مورد مالي للجماعة، حتى وإن كان الثمن تعريض حياة المدنيين للخطر.
وفي هذا السياق، حذر السياسي نايف القانص من تفاقم ما وصفه بـ"تجارة الموت عبر الأدوية المهربة"، مؤكداً أن هذه الظاهرة باتت تهدد حياة آلاف المرضى والأطفال في اليمن، في ظل الانتشار الواسع للأدوية والمستلزمات الطبية المغشوشة داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
وقال القانص إن المنظومة الصحية في اليمن تواجه "كارثة إنسانية صامتة" تتجاوز آثار الحرب التقليدية، نتيجة الانتشار الواسع للأدوية المغشوشة والمهربة التي تُفرض على المستشفيات والمرافق الصحية، معتبراً أن استبدال العقاقير المعتمدة عالمياً بأصناف رديئة أو مجهولة المصدر يمثل "جريمة صامتة" وانتهاكاً صارخاً للحق في الحياة.
وأشار إلى أن غياب الرقابة الدوائية واحتكار السوق من قبل شبكات التهريب دفع الأطباء إلى استخدام أدوية تفتقر إلى الحد الأدنى من معايير السلامة والجودة، موضحاً أن تقارير وشهادات طبية وثّقت حالات تدهورت فيها صحة مرضى داخل أقسام العناية المركزة نتيجة تلقيهم مضادات حيوية غير فعالة، قبل أن تتحسن حالاتهم بعد توفير أدوية أصلية بجهود فردية.
كما استحضر القانص مأساة أطفال مرضى السرطان في صنعاء الذين توفوا نتيجة جرعات دوائية ملوثة، واصفاً الحادثة بأنها واحدة من أكثر الوقائع الطبية إيلاماً في تاريخ اليمن الحديث، ودليلاً على حجم العبث الذي يضرب القطاع الصحي في مناطق سيطرة الحوثيين.
بحسب مراقبون فأن تجارة الأدوية المهربة تمثل جزءاً من اقتصاد الحرب الذي بنته الجماعة خلال سنوات الصراع، حيث جرى تحويل القطاعات الإنسانية والخدمية إلى أدوات للتمويل والسيطرة والنفوذ.
الاستثمار في معاناة المرضى
ففي الوقت الذي يعاني فيه اليمنيون من انهيار اقتصادي غير مسبوق وتدهور الخدمات الصحية، تمكنت شبكات مرتبطة بالحوثيين من احتكار تجارة الأدوية والمستلزمات الطبية وتحقيق أرباح ضخمة من استيراد أصناف منخفضة الجودة، مستفيدة من غياب الرقابة الرسمية وسيطرة الجماعة على الموانئ والمنافذ.
ويؤكد مراقبون أن أخطر ما في هذه التجارة هو أنها تستهدف الفئات الأشد ضعفاً، حيث يجد المرضى أنفسهم مجبرين على استخدام أدوية مجهولة المصدر بسبب انعدام البدائل أو ارتفاع أسعار الأدوية الأصلية، ما يحوّل العلاج نفسه إلى خطر يهدد حياتهم.
كما أن استمرار تدفق الأدوية المهربة يعكس، بحسب مراقبين، حجم النفوذ الإيراني داخل القطاعات الحيوية في مناطق سيطرة الحوثيين، في ظل اتهامات باستخدام السوق اليمنية كممر لتصريف منتجات دوائية غير مطابقة للمواصفات أو غير مسموح بتداولها في أسواق أخرى.
ويحذر مختصون من أن استمرار هذه الممارسات ينذر بكارثة صحية طويلة الأمد، في ظل انهيار منظومة الرقابة الدوائية واتساع نفوذ شبكات التهريب والاحتكار. موضحين أن مواجهة ما بات يُعرف بـ"إرهاب الدواء" تتطلب تحركاً حكومياً ودولياً عاجلاً لتشديد الرقابة على المنافذ البحرية، ومنع تدفق الأدوية المهربة، ودعم المؤسسات الصحية الرسمية، وضمان وصول الأدوية الأصلية والخاضعة للرقابة الدولية إلى ملايين اليمنيين.
كما دعا حقوقيون ومنظمات صحية إلى فتح تحقيقات دولية بشأن شبكات تهريب الأدوية والممارسات التي تهدد حياة المرضى، معتبرين أن تحويل القطاع الصحي إلى ساحة للربح والاحتكار في بلد يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم يمثل جريمة لا تقل خطورة عن جرائم الحرب الأخرى.
>
