تحليل أوروبي: البيئة محرك خفي للصراع في اليمن وفرصة لبناء الاستقرار
السياسية - منذ ساعة و 26 دقيقة
لندن، نيوزيمن، ترجمة:
كشف تحليل نشرته مجلة Geographical البريطانية أن تجاهل العوامل البيئية في مسارات التسوية السياسية يمثل فجوة جوهرية في جهود إنهاء الصراعات حول العالم، مشيراً إلى أن اليمن يقدم نموذجاً واضحاً لكيفية تداخل الضغوط البيئية مع ديناميات الحرب والسلام.
التحليل، الذي جاء بعنوان "الحلقة المفقودة في حل النزاعات"، أعدّه المدير التنفيذي للمعهد الأوروبي للسلام مايكل كيتينغ، وأوضح فإن محادثات السلام غالباً ما تركز على قضايا السلطة وتقاسم النفوذ والحدود والترتيبات الدستورية، بينما يتم إهمال ملفات أكثر عمقاً تتعلق بإدارة الموارد الطبيعية مثل المياه والتربة والطاقة، إضافة إلى تأثيرات تغير المناخ وتدهور البيئة، رغم كونها عوامل مباشرة في تغذية النزاعات أو تفاقمها.
ويرى كيتينغ أن هذا الإغفال يمثل "عجزاً حقيقياً" في مقاربات حل النزاعات، خاصة في ظل تصاعد الظواهر المناخية المتطرفة وتزايد الضغوط على الموارد في مناطق حساسة مثل الشرق الأوسط والقرن الأفريقي والساحل، حيث تتحول أزمة المياه والأمن الغذائي وعدم المساواة في الطاقة إلى محركات إضافية للصراع وعدم الاستقرار.
وخصص التحليل مساحة واسعة للحالة اليمنية، باعتبارها واحدة من أكثر البيئات تعقيداً من حيث تداخل الحرب مع التدهور البيئي، حيث تعاني البلاد من حرب أهلية مستمرة، وسيطرة جماعة الحوثي على مساحات واسعة من الأراضي، إلى جانب تحديات أمنية مرتبطة بالملاحة في البحر الأحمر ووجود تنظيمات متطرفة في مراحل سابقة.
ويشير إلى أن الاهتمام الدولي باليمن ظل يركز على البعد الأمني والعسكري ومكافحة الإرهاب، في حين تم إهمال الروابط العميقة بين النزاع المسلح والتدهور البيئي، رغم أنها ملموسة بشكل مباشر لدى السكان. وبحسب التحليل، فإن استمرار الصراع يعمّق من صعوبة مواجهة آثار تغير المناخ والتدهور البيئي، وفي المقابل فإن الفقر وندرة الموارد يسهمان في خلق بيئة خصبة لليأس الاجتماعي، خصوصاً بين فئة الشباب، ما يؤدي إلى النزوح والهجرة وتزايد الضغوط السكانية.
ويشير المدير التنفيذي للمعهد الأوروبي للسلام مايكل كيتينغ إلى أن عدد سكان اليمن مرشح للارتفاع بنسبة قد تصل إلى 50% ليصل إلى نحو 60 مليون نسمة خلال أقل من 15 عاماً، وهو ما يضاعف الضغط على الموارد المحدودة والبنية التحتية الهشة.
ويرى التحليل أن أحد أبرز الإشكالات في مسارات السلام الدولية يتمثل في اعتمادها على بيانات غير مكتملة أو محدودة، خصوصاً في البيئات عالية الخطورة التي يصعب فيها إجراء الدراسات الميدانية، وهو ما يؤدي إلى إغفال البعد البيئي في تصميم حلول النزاعات.
ويستند المسؤول الأوروبي إلى مشاورات واسعة شملت يمنيين في 13 محافظة، سواء في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً أو مناطق سيطرة الحوثيين، وأظهرت النتائج أن أكثر من نصف المشاركين يرون وجود توترات مرتبطة بالمياه أو الأرض أو الطاقة أو التلوث.
كما أظهرت النتائج أن أكثر من 80% يعتبرون أن معالجة القضايا البيئية ضرورية لتحقيق الاستقرار المعيشي والأمني، فيما رأى 57% أن القضايا البيئية يجب أن تكون جزءاً أساسياً من مفاوضات السلام على المستويين المحلي والوطني.
وبحسب التحليل، فإن التجارب المحلية في اليمن تكشف عن فرص مهمة لتحويل التحديات البيئية إلى مسارات تعاون، حيث يلعب الوسطاء المحليون والزعماء التقليديون والمبادرات المجتمعية، خصوصاً التي تقودها النساء والشباب، دوراً محورياً في حل النزاعات المتعلقة بالمياه والأراضي.
وفي عدد من المحافظات، أصبح التعاون في إدارة الموارد الطبيعية أساساً لبناء الثقة بين الأطراف المتنازعة، ما يشير إلى إمكانية توظيف "السلام البيئي" كمدخل عملي لتعزيز الاستقرار.
وينتقد التحليل تركيز جهود الوساطة الدولية على القضايا السياسية والأمنية قصيرة الأمد، مقابل إهمال العوامل التي تمكّن المجتمعات من إعادة بناء الثقة وتحسين سبل العيش والحد من مخاطر النزاعات المستقبلية.
ويرى كيتينغ أن محدودية الخبرة البيئية لدى بعض الوسطاء، إضافة إلى ضعف تمثيل المجتمعات المحلية في مسارات التفاوض، وتراجع التمويل الدولي، كلها عوامل أسهمت في إبقاء البعد البيئي خارج حسابات السلام.
ويخلص التحليل إلى أن دمج قضايا المياه والطاقة والبيئة في عمليات السلام لم يعد خياراً ثانوياً، بل ضرورة استراتيجية، محذراً من أن استمرار تجاهل هذه العوامل سيؤدي إلى تفاقم النزاعات بدل حلها.
ويختتم بالقول إن الاعتقاد بإمكانية تحويل التدهور البيئي إلى منصة للحوار وبناء الثقة قد يبدو طموحاً، لكن التجربة اليمنية، وفق التحليل، تؤكد أن هذا المسار ممكن وضروري في آن واحد لصناعة سلام أكثر استدامة.
>
