السعودية والإمارات تعيدان ترتيب أولوياتهما وسط هشاشة الهدنة مع إيران
السياسية - منذ ساعة و 10 دقائق
لندن، نيوزيمن:
كشفت صحيفة العرب أن التحركات السياسية المتسارعة بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تعكس تحولاً خليجياً لافتاً في طريقة إدارة التوترات الإقليمية، في ظل تزايد القلق من انهيار الهدنة الهشة بين الولايات المتحدة وإيران، واحتمالات عودة المنطقة إلى دائرة المواجهة العسكرية المفتوحة.
وبحسب تحليل الصحيفة، فإن الاتصال الهاتفي الذي جمع، الثلاثاء، ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان برئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، لا يمكن فصله عن التحولات الأمنية والسياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، خصوصاً أنه جاء للمرة الثانية خلال أقل من أسبوع، في مؤشر واضح على تصاعد مستوى التنسيق بين الرياض وأبوظبي.
ويرى التقرير أن تكرار التواصل بين القيادتين الخليجيتين يعكس انتقال التنسيق الثنائي من مستوى التشاور السياسي التقليدي إلى مرحلة "إدارة المخاطر الإقليمية" بصورة مباشرة، في ظل إدراك متزايد بأن أي انهيار للمفاوضات الأميركية الإيرانية قد يدفع المنطقة إلى مرحلة أكثر خطورة وتعقيداً.
وأشار التحليل إلى أن تعثر الجولة الثانية من المحادثات الأميركية الإيرانية في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، إضافة إلى استمرار التصعيد السياسي والإعلامي بين واشنطن وطهران، عززا المخاوف الخليجية من أن التهدئة الحالية ليست سوى هدنة مؤقتة قابلة للانهيار في أي لحظة.
وأضافت الصحيفة أن دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية والإمارات، باتت تنظر إلى المشهد الإقليمي باعتباره مرحلة شديدة الهشاشة، تتداخل فيها محاولات التهدئة مع احتمالات الانفجار العسكري الواسع، خاصة بعد الهجمات التي استهدفت منشآت مدنية وممرات بحرية حيوية خلال الأشهر الماضية.
ولفت التقرير إلى أن الهجمات التي طالت السفن وناقلات النفط في محيط مضيق هرمز رفعت مستوى القلق الخليجي من تحول الممرات البحرية إلى ساحات ضغط وصراع متبادل، وهو ما دفع الرياض إلى تكثيف حديثها عن ضرورة حماية أمن الملاحة وضمان استمرار تدفق التجارة والطاقة بعيداً عن أي تهديدات.
وبحسب الصحيفة، فإن السعودية والإمارات تتعاملان حالياً وفق مقاربة استراتيجية مزدوجة تقوم على الجمع بين الردع والاستعداد العسكري من جهة، والحفاظ على فرص الحلول السياسية والتهدئة من جهة أخرى، في محاولة لتجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تكون لها تداعيات اقتصادية وأمنية واسعة.
ورأت الصحيفة أن هذه المقاربة تعكس تحولاً مهماً في التفكير الخليجي، إذ لم تعد دول الخليج تراهن فقط على الحماية الدولية أو المظلة الأمنية الغربية، بل باتت تتحرك لبناء آليات تنسيق إقليمي أكثر تماسكاً وقدرة على التعامل مع التحولات المفاجئة في البيئة الأمنية.
كما أشار التحليل إلى أن التطورات الأخيرة دفعت الرياض وأبوظبي إلى إعادة ترتيب أولوياتهما الاستراتيجية بعد سنوات شهدت تباينات في بعض الملفات الإقليمية، قبل أن تعيد التهديدات المشتركة المرتبطة بإيران والممرات البحرية ترميم مستوى التنسيق السياسي والأمني بين البلدين.
وأكد التقرير أن السعودية تنظر بقلق إلى أي تصعيد قد يهدد مشاريعها الاقتصادية الكبرى المرتبطة برؤية 2030، خصوصاً أن الاستقرار الإقليمي بات يمثل شرطاً أساسياً لجذب الاستثمارات وتنفيذ خطط التحول الاقتصادي.
وفي المقابل، ترى الإمارات – وفق الصحيفة – أن التهديدات التي طالت منشآت مدنية وناقلات نفط خلال الفترات الماضية تعزز الحاجة إلى منع تحول الخليج إلى ساحة صراع مفتوح، لما قد يسببه ذلك من أضرار مباشرة على مكانة الدولة كمركز اقتصادي وتجاري عالمي.
وأشار التحليل إلى أن التحركات الخليجية الحالية تتزامن مع جهود دبلوماسية غربية وعربية تهدف إلى منع انهيار المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران، وسط إدراك دولي متزايد بأن أي انفجار واسع في الخليج ستكون له تداعيات خطيرة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.
ورغم هذه التحركات السياسية، تؤكد الصحيفة أن المؤشرات الميدانية لا تزال تعكس مستوى مرتفعاً من التوتر، سواء من خلال استمرار الهجمات غير المباشرة أو تعثر المفاوضات السياسية وتبادل الاتهامات بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما يجعل الهدنة الحالية أقرب إلى "وقف هش لإطلاق النار" من كونها تسوية مستقرة طويلة الأمد.
كما أوضح التقرير أن دول الخليج رفعت خلال الأشهر الأخيرة مستوى التنسيق الأمني والاستخباراتي مع حلفائها، بالتوازي مع تعزيز أنظمة الدفاع الجوي والاستعداد لمواجهة تهديدات الطائرات المسيّرة والصواريخ والهجمات السيبرانية، التي أصبحت تمثل أحد أخطر أوجه الصراعات الحديثة في المنطقة.
وفي ختام تحليلها، اعتبرت الصحيفة أن الاتصالات المكثفة بين الرياض وأبوظبي تعكس دخول الخليج مرحلة "إعادة تموضع استراتيجي"، عنوانها الأساسي الاستعداد لمرحلة ما بعد الهدنة الهشة، وبناء مقاربة خليجية أكثر قدرة على التعامل مع احتمالات التصعيد أو الانفراج في الصراع الأميركي الإيراني، دون الانزلاق إلى حرب شاملة تهدد استقرار المنطقة بأكملها.
>
