تعز تنزف بصمت.. جرائم متكررة وأرواح تُفقد بلا عدالة وعجز رسمي

السياسية - منذ ساعة و 38 دقيقة
تعز، نيوزيمن، خاص:

تعيش محافظة تعز واحدة من أكثر مراحلها الأمنية تعقيدًا منذ سنوات، في ظل تزايد لافت لحوادث الاغتيال والجرائم المسلحة التي تستهدف مدنيين في وضح النهار، دون أن تقابل بتحركات رادعة أو نتائج تحقيق واضحة. هذا التدهور الأمني المتواصل يعكس حالة من الاضطراب المؤسسي وتعدد مراكز النفوذ، الأمر الذي أفرز واقعًا تتداخل فيه مسؤوليات الأجهزة الأمنية مع انتشار السلاح خارج إطار الدولة، لتتحول المدينة إلى بيئة مفتوحة على احتمالات العنف المتكرر.

وفي الوقت الذي تتصاعد فيه المطالبات الشعبية بوضع حد لهذا الانفلات، تتكرر الحوادث في مناطق متفرقة من المدينة، وسط اتهامات متزايدة بضعف الأداء الأمني وغياب التنسيق الفعّال بين الجهات المعنية، ما يكرّس حالة من فقدان الثقة لدى السكان تجاه قدرة السلطات على فرض النظام وحماية الأرواح.

وخلال الأيام الماضية برزت عدة حوادث دامية، أخرها مساء الخميس حيث قُتل الصحفي عبدالصمد القاضي إثر تعرضه لإطلاق نار من مسلحين مجهولين في أحد شوارع المدينة، إضافة إلى وفاة الطفلة ميرا نور الدين المليك متأثرة بإصابتها برصاص خلال اشتباكات مسلحة، في حين سبقتها حوادث اغتيال أخرى في مناطق متقاربة جغرافيًا، ما يشير إلى نمط متكرر من العنف المسلح داخل المدينة دون رادع فعلي.

وتترافق هذه التطورات مع اتهامات متزايدة للأجهزة الأمنية بالعجز عن ضبط الوضع، في ظل انتشار السلاح بشكل واسع، وتعدد الجهات المسلحة، وغياب إجراءات حازمة لتنظيم حمل السلاح أو الحد من تحركات الجماعات المسلحة داخل الأحياء السكنية. كما يرى ناشطون أن غياب التنسيق الأمني وضعف البنية المؤسسية يسهمان في استمرار هذه الجرائم دون محاسبة.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى ترسيخ حالة من الفوضى الأمنية، تتحول معها الجرائم إلى نمط متكرر، ما ينعكس سلبًا على حياة السكان اليومية، ويقوض الثقة بالمؤسسات الأمنية والقضائية، في ظل مطالبات متزايدة بإصلاحات عاجلة وشاملة.

تحذيرات قانونية وانتقادات للواقع الأمني

وقال رئيس شبكة "محامون ضد الفساد" الدكتور أسامة الأصبحي إن المدينة شهدت ثلاث جرائم خلال أسبوع واحد، مشيرًا إلى أن الجناة لا يزالون طلقاء، ما يعكس حجم الخلل الأمني القائم. واعتبر أن تكرار الجرائم دون محاسبة يكشف عن عجز واضح في تطبيق القانون، لافتًا إلى أن استمرار هذه المآسي لا يهدد أسر الضحايا فقط، بل يمس المجتمع بأكمله.

وأوضح أن الحلول ممكنة إذا توفرت الإرادة، عبر إجراءات مثل تركيب كاميرات مراقبة، وتحسين الإنارة العامة، ومنع التجمعات المسلحة ليلًا، وضبط انتشار السلاح المنفلت، مؤكدًا أن هذه الخطوات قد تسهم في تقليل معدلات الجريمة واحتوائها قبل تفاقمها.

فيما الناشط محمد الشرعبي وصف الوضع بأنه "حلقة مفرغة" من الاغتيالات والجرائم، مشيرًا إلى أن الجهود المجتمعية للضغط على الأجهزة الأمنية تنتهي غالبًا دون نتائج مستدامة. وانتقد ما اعتبره غياب خطط أمنية حازمة للحد من انتشار السلاح، متسائلًا عن قدرة الجهات الأمنية على فرض السيطرة على الوضع.

ودعا إلى تحرك عاجل وجاد، مؤكدًا أن استمرار هذا التدهور الأمني يمثل استهتارًا بأرواح المواطنين، وأن الصمت لم يعد خيارًا في ظل تزايد الجرائم، مطالبًا باتخاذ إجراءات فعلية بدل الاكتفاء بالتصريحات.

روايات غاضبة وتحميل مباشر للمسؤولية

الناشط محمد عبدالله أحمد المشهري أشار إلى أن الصحفي عبدالصمد القاضي فارق الحياة متأثرًا بإطلاق نار من مسلحين مجهولين، معتبرًا أن هذه الجرائم لا تعد مجهولة بالنسبة للسلطات الأمنية والعسكرية. وأبدى استياءه من تكرار الحوادث في مواقع سبق أن شهدت عمليات اغتيال، معتبرًا أن ذلك يعكس غياب المعالجة الجذرية للقضايا الأمنية.

كما ربط بين هذه الحوادث وسلسلة من الجرائم السابقة في ذات المناطق، معتبرًا أن هناك محاولات لطمس القضايا أو تغيير مسارها، داعيًا إلى محاسبة المسؤولين وتحقيق العدالة، ومطالبًا بإقالة القيادات الأمنية والعسكرية المحلية على خلفية ما وصفه بتقاعسها عن حماية المواطنين.

فيما الناشط عادل الغشم قدم تشخيصًا لأسباب الانفلات الأمني، مرجعًا ذلك إلى ضعف الأجهزة الأمنية، وتعدد المجاميع المسلحة، وانتشار السلاح بشكل غير مسبوق، إلى جانب غياب الدولة وضعف الرقابة والمساءلة.

وشدد على ضرورة توحيد الأجهزة الأمنية تحت قيادة مهنية وطنية، وسحب السلاح من الجماعات الخارجة عن القانون، ومنع حمل السلاح داخل المدينة، إضافة إلى تفعيل دور القضاء وملاحقة العناصر الإجرامية، بما يضمن استعادة الثقة بين المواطن والمؤسسات الأمنية.

واعتبر الناشط مهد أمان أن تعز تحولت من مدينة ذات رمزية مقاومة إلى ساحة مفتوحة للعصابات المسلحة، مشيرًا إلى أن تكرار الجرائم في مواقع محددة يعكس غياب الدولة وسيطرة الفوضى على المشهد الأمني.

فيما أكد أن استمرار سقوط الضحايا المدنيين، بمن فيهم الأطفال، يضع مسؤولية كبيرة على الجهات العليا والسلطات المحلية، داعيًا إلى تحرك عاجل يضع حدًا لهذه الانتهاكات ويعيد الاعتبار لسيادة القانون.

انتقادات سياسية واتهامات بتقاسم النفوذ

أما الباحث الإعلامي وليد التميمي فأشار إلى أن تعز تعاني من واقع أمني معقد في ظل تقاسم نفوذ بين أطراف متعددة، معتبرًا أن استمرار الاغتيالات وغياب العدالة يعكس خللًا عميقًا في إدارة الملف الأمني.

ولفت إلى أن تكرار الجرائم في مواقع سابقة لوقائع اغتيال أخرى يثير تساؤلات حول جدية التحقيقات، داعيًا إلى توضيح ما يجري على الأرض، وإنهاء حالة الغموض التي تحيط بالقضايا الجنائية في المدينة.

وجدّد الناشط عبدالله فرحان دعواته للقيادة السياسية والعسكرية في البلاد إلى التدخل العاجل لإعادة هيكلة المنظومة الأمنية في تعز، مطالبًا بإجراء تغييرات في القيادات الحالية على مستوى المحور العسكري وإدارة الأمن، باعتبارها – بحسب تعبيره – عاجزة عن ضبط الانفلات ووقف نزيف الدم المتواصل في المدينة.

وأوضح في مناشدته الموجهة إلى رئاسة مجلس القيادة الرئاسي ووزارتي الدفاع والداخلية، أن استمرار الأوضاع على ما هي عليه يعكس خللًا في إدارة الملف الأمني، داعيًا إلى استبدال القيادات الحالية ببدائل قادرة على تحمل المسؤولية وفرض النظام، بغض النظر عن انتماءاتها السياسية، شرط أن تكون مؤهلة مهنيًا وقادرة على حماية أرواح المواطنين.

وأشار إلى أن تعز تشهد استباحة لدماء المدنيين وانتشارًا للسلاح المنفلت، إلى جانب وجود انتهاكات تطال ممتلكات المواطنين، معتبرًا أن استمرار هذا الوضع يتطلب قرارات حاسمة لمحاسبة القيادات المقصرة، وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، بما يضمن وقف الفوضى الأمنية وحماية السكان من تكرار الجرائم.