سقوط "الآيتين".. إيران بين الإرث النووي والهشاشة الحركية

السياسية - منذ ساعة و 39 دقيقة
عدن، نيوزيمن، خاص:

يشهد النظام الإيراني اليوم لحظة مفصلية غير مسبوقة، بعد استهداف قياداته العليا وتراجع دوره الإقليمي في الشرق الأوسط، في وقت يحاول فيه موازنة إرث الشاه النووي مع طموح خامنئي في الهيمنة الإسلامية الحركية. 

ويرى الكاتب والمحلل السياسي نبيل الصوفي أن "ما يحدث الآن ليس مجرد تصفية قيادات، بل كشفٌ لهشاشة المشروع الإيراني الذي حاول الجمع بين الحداثة النووية والسيطرة الأيديولوجية". ويضيف الصوفي: "ضرب إيران اليوم هو اختبار حقيقي لقدرتها على الصمود أمام ضغوط داخلية وخارجية في آن واحد".

في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، بدأ البرنامج النووي الإيراني بدعم غربي، وكان يُنظر إليه كمشروع تنموي لدولة طموحة تسعى إلى التصنيع والتحديث. ويشير الصوفي إلى أن "الشاه كان يرى في إيران قوة اقتصادية وسياسية متقدمة، واعتمد على المشروع النووي كجزء من خطته للتحديث الصناعي، بينما كانت البعثات الدينية إلى لبنان أداة لنشر النفوذ الثقافي وليس العسكري".

لكن الفساد والإدارة الضعيفة أضعفته، وعجزت إيران عن حماية منشآتها الحيوية من تهديدات الإسلاميين، ما أدى في النهاية إلى سقوط النظام البهلوي وفتح الباب أمام تجربة حكم دينية حركية.

ومع سقوط الشاه، برزت نظرية "ولي الفقيه"، التي نقلت السلطة الدينية من الحوزات ومراقد الأئمة الغائبين إلى ميادين الحكم والسياسة. أصبح الخميني أول "آية الله العظمى" حاكمة في طهران، وحوّل المراكز الدينية إلى أدوات للسيطرة السياسية والعسكرية. ويعلق الصوفي: "الثورة الخمينية نقلت العقيدة من المرجعيات الدينية إلى ميادين القوة، وبدأت إيران مشروعًا جديدًا على أسس أيديولوجية حركية، متجاوزة أي إرث تنموي سابق".

صعود علي خامنئي أعاد تفعيل النقاش النووي، محاولًا الجمع بين إرث الشاه النووي وولي الفقيه الحركي. يقول الصوفي: "خامنئي كان أكثر إسلاموية من الخميني نفسه، فهو منظّر حركي يسعى إلى مشروع نووي كسلاح ردع، متجاوزًا كل الحسابات الاقتصادية والتنموية".

مع وصوله، شهدت إيران كشف منشأتي نطنز وأراك، وجرّت البلاد إلى عقوبات دولية، ما أكد أن التمسك بالسلاح النووي كان أولويته القصوى على حساب التنمية والشراكة الدولية.

رؤساء الجمهورية وتفاوت أولوياتهم

رفسنجاني: حاول موازنة المشروع النووي مع التعاون الإقليمي، ووقع أول اتفاقية أمنية مع السعودية، لكنه قلّص الطموحات الحركية.

خاتمي: ركز على الإصلاح السياسي الداخلي وكشف للعالم منشأتي نطنز وأراك، لكنه لم يغيّر مسار البرنامج النووي العسكري.

أحمدي نجاد: حافظ على الولاء للخامنئي، وواجه سلسلة عقوبات دولية دون صراع مباشر مع المرشد.

روحاني: أبرم الاتفاق النووي مع أوباما، وفتح نافذة اقتصادية وتنموية، لكنها أُجهضت بسبب استمرار خامنئي في التمسك بخيار السلاح النووي.

ويشير الصوفي هنا إلى أن "كل هؤلاء الرؤساء كانوا محدودي التأثير أمام سيطرة خامنئي على القرار النهائي، وهو ما جعل إيران ضحية لتناقضاتها بين التنمية والمشروع العسكري".

الفراغ القيادي وتأثيره على البرنامج النووي

ومع تشكيل مجلس قيادة مؤقت برئاسة رئيس الجمهورية من ثلاثة أعضاء، يفقد النظام الإيراني السيطرة المركزية التي كانت تتحكم في مسار البرنامج النووي. ويضيف الصوفي: "خلافة خامنئي كانت تربط المشروع النووي مباشرة بالأيديولوجيا الحركية، أما اليوم فغياب المرشد سيؤدي إلى صعوبة اتخاذ قرارات سريعة في تطوير السلاح النووي أو التراجع عنه لصالح استخدام سلمي".

الضربات الأخيرة على قيادات البرنامج النووي قد تعطل البنية التحتية السرية، وتؤخر أي خطط للحصول على سلاح نووي، ما يفتح المجال أمام دول العالم لمراقبة التحركات الإيرانية عن كثب، ويزيد الضغط على النظام لاتخاذ خيارات استراتيجية حاسمة.

وإلى جانب النووي، تعتمد إيران على قدراتها الصاروخية ونفوذها في الطاقة للضغط الإقليمي والدولي. يقول الصوفي: "البرنامج الصاروخي كان أداة الردع الإقليمي الوحيدة بعد العقوبات، واليوم الفراغ القيادي قد يؤدي إلى خلل في استراتيجية الصواريخ، خاصة تلك المرتبطة بالبرنامج النووي العسكري".

كما أن الاعتماد على صادرات النفط والغاز كأداة ضغط اقتصادي سيواجه تحديات، إذ أن غياب القيادة المركزية قد يضعف قدرة إيران على التنسيق مع شركات الطاقة والتعامل مع العقوبات الدولية، ما قد يؤدي إلى تراجع مواردها الاستراتيجية.

سقوط "الايتين" والأثر الإقليمي

مع استهداف قيادات البرنامج النووي والسياسي الإيراني، فقدت طهران جزءًا كبيرًا من نفوذها الإقليمي. يضيف الصوفي: "هذه الضربات لم تؤثر فقط على السلطة، بل كشفت هشاشة أيديولوجية خامنئي وطموحاته في الهيمنة الشيعية، ووضعت إيران أمام مرحلة إعادة ترتيب استراتيجية لنفوذها".

كما أن طموح الخلافة الشيعية وإسقاط الدول العربية في الفوضى الذي حاول النظام فرضه على مدار عقود بدأ ينهار مع فقدان السيطرة على أدوات القوة، ما قد يفتح الطريق لتغييرات جذرية في السياسة الإقليمية. 

فضرب قيادات إيران وإضعاف مركزها القيادي يمثل فرصة لدول الجوار لتقليل تأثير طهران في صراعات المنطقة، خصوصًا في العراق وسوريا ولبنان واليمن. 

يوضح الصوفي: "إيران كانت تسيطر على العديد من الملفات الإقليمية عبر قيادتها الحركية والسياسية المركزية، والآن مع الفراغ، هناك فجوة استراتيجية قد تستغلها السعودية ومصر ودول أخرى للحد من نفوذ طهران".

اليوم إيران أمام سيناريوهات عدة، محاولة ملء الفراغ القيادي بسرعة مع الحفاظ على البرنامج النووي والصواريخ، الانسحاب جزئيًا من المشروع النووي العسكري لصالح مسار سلمي اقتصادي، استمرار التمسك بالخطة العسكرية، مع المخاطرة بفقدان نفوذ إقليمي إضافي وتفاقم العقوبات الدولية.

ويشير الصوفي في تحليله بالقول: "اليوم إيران أمام مفترق طرق؛ فإما إعادة ترتيب السلطة والنفوذ، أو انهيار مزيد من طموحاتها النووية والإقليمية. مضيفًا: "فراغ القيادة يكشف عن هشاشة المشروع الإيراني ويضع النظام أمام خيارات استراتيجية صعبة، ربما تغير موازين القوة في المنطقة كلها.