جبايات بلا سقف.. وصفة حوثية جاهزة لإفلاس السوق المحلي بصنعاء

السياسية - Thursday 26 February 2026 الساعة 11:11 pm
صنعاء، نيوزيمن، خاص:

تتسارع وتيرة إغلاق المنشآت التجارية والصناعية وسط شكاوى متصاعدة من سياسات جباية ورسوم يصفها تجار بأنها "قسرية" وتفتقر إلى الأطر القانونية الواضحة. ويؤكد اقتصاديون أن اختلال الدورة النقدية، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، عوامل تلتقي جميعًا لتدفع القطاع الخاص نحو مزيد من الانكماش.

في صنعاء أُغلق مطعم الفقيه للسلتة والفحسة، أحد أشهر المطاعم الشعبية، بعد توقفه الكامل عن العمل، وظهور لافتة تُعلن عرضه للبيع. ويرى مراقبون أن تعثر منشأة بهذا الحضور يعكس حجم الضغوط التي تضرب السوق المحلية، خصوصًا في القطاعات الخدمية التي تعتمد مباشرة على إنفاق المستهلكين.

ويشير تجار إلى أن المطعم لم يكن حالة استثنائية، بل يأتي ضمن موجة إغلاقات طالت مصانع ومعامل ومحال تجارية خلال الأشهر الماضية، في ظل ركود غير مسبوق.

بحسب مصدر اقتصادي مطلع، فإن الجبايات والرسوم المتعددة تُضاف مباشرة إلى أسعار السلع، ما يؤدي إلى زيادات تتراوح بين 20 و30% من قيمتها. وأوضح أن أكثر من ألفي ريال تُضاف إلى سعر كيس الدقيق (50 كجم)، فيما تُفرض زيادات تقارب 15 ريالًا على سعر البيضة الواحدة، وما بين 300 و500 ريال على سعر الدجاجة، تحت مسميات مختلفة.

ويحذر المصدر من أن هذه الأعباء لا تقتصر على رفع الأسعار فحسب، بل تهدد استدامة سلاسل الإنتاج المحلية، خصوصًا في قطاعات الدواجن والمواد الغذائية الأساسية، التي باتت تواجه مخاطر الانكماش أو التوقف.

يتزامن تصاعد الرسوم مع تراجع حاد في القوة الشرائية للمواطنين، نتيجة توقف الرواتب في قطاعات واسعة، وارتفاع معدلات البطالة، وتآكل الدخول. ويؤكد اقتصاديون أن ضعف الطلب الداخلي يمثل أحد أبرز مظاهر الخلل في الدورة النقدية، حيث تُجمع الأموال دون إعادة ضخها في السوق عبر الرواتب والخدمات، ما يؤدي إلى شلل تدريجي في النشاط التجاري.

مصدر في مكتب العمل بأمانة العاصمة أفاد بتلقي 37 شكوى من عمال وموظفين خلال الأشهر الثمانية الأخيرة من عام 2025، جميعها تتعلق بحقوق ومرتبات لم تُصرف بعد إغلاق منشآت تجارية وصناعية. وأُحيلت 21 شكوى إلى اللجنة العمالية بعد تعذر الوصول إلى تسويات، في مؤشر على اتساع دائرة التأثر لتشمل سوق العمل نفسه.

مدير سابق في مصنع لإنتاج العصائر والمشروبات الغازية – أُغلق مؤخرًا – أوضح أن ارتفاع تكاليف الوقود والطاقة، إلى جانب الجبايات المتكررة، جعل كلفة الإنتاج تفوق العائد المتوقع. وأضاف أن إغراق السوق بمنتجات منخفضة الجودة، تُباع بأسعار أقل، زاد من صعوبة المنافسة، ما دفع عدداً من المصانع إلى تعليق نشاطها أو الإغلاق الكامل.

والخبير الاقتصادي علي أحمد التويتي حذّر من موجة هجرة جديدة تهدد ما تبقى من رؤوس الأموال والخبرات داخل البلاد، مؤكدًا أن بيئة الاستثمار المحلي أصبحت طاردة. وأرجع ذلك إلى استمرار السياسات المالية الحالية، وغياب الاستقرار التشريعي، وارتفاع كلفة الإنتاج مقارنة بدول الجوار.

وأشار إلى أن استمرار هذا المسار سيقود إلى نزيف اقتصادي واجتماعي أوسع، داعيًا إلى إعادة تنشيط الدورة النقدية، وتخفيف الأعباء المفروضة على القطاع الخاص، وتهيئة بيئة أكثر استقرارًا تُمكّن من الحفاظ على الاستثمارات وفرص العمل.

ويرى مراقبون أن ما يحدث في صنعاء ليس مجرد حالات تعثر فردية، بل مؤشرات على أزمة هيكلية تضرب مفاصل الاقتصاد المحلي. وبينما تتزايد الإغلاقات وتتقلص فرص العمل، يبقى مستقبل القطاع الخاص مرهونًا بإصلاحات تعيد الثقة للسوق، وتوازن العلاقة بين الجباية والاستدامة الاقتصادية، قبل أن يتحول الركود إلى انهيار أوسع يصعب احتواؤه.