ملهمة بيكاسو القتبانية تُسحب من مزاد علني في الرياض

السياسية - منذ ساعة و 41 دقيقة
الرياض، نيوزيمن:

كشف الباحث المتخصص في شؤون الآثار اليمنية، عبدالله محسن، عن سحب تمثال يمني قديم من العرض في مزاد دولي أُقيم بالعاصمة السعودية الرياض، في خطوة وصفها بغير المتوقعة، بعدما كان من المرجح أن يُباع بمبلغ يتراوح بين 60 ألفًا و90 ألف دولار.

وأوضح محسن، في منشور على صفحته بموقع "فيسبوك" أن التمثال كان معروضًا ضمن فعاليات النسخة الثانية من مزاد "الأصول 2" الذي نظمته دار "سوذبيز" أواخر يناير 2026 في مدينة الرياض، مشيرًا إلى أن المزاد احتفى بأعمال فنية من عصور وثقافات متعددة، من بينها قطع فنية عالمية لفنانين كبار مثل بابلو بيكاسو ومحمد السليم، وفق ما أعلنته دار المزادات.

التمثال المسحوب يمثل شخصية نسائية منحوتة من حجر الكالسيت، ويعود إلى مملكة قتبان في جنوب الجزيرة العربية، وتحديدًا من موقع حيد بن عقيل – مقبرة تمنع، ويرجع تاريخه إلى القرن الثالث قبل الميلاد. ويجسد العمل ملامح الفن اليمني القديم في أبهى صوره، حيث تظهر الشخصية بأذرع ممتدة وقبضتين مشدودتين، فيما ينضح الوجه المنحوت بدقة بالقوة والغموض.

وتبرز في التمثال السمات الجمالية المميزة للفن القتباني، مثل العيون اللوزية الواسعة (المعروفة بعيون المها)، والحواجب البارزة، والأنف المستقيم، والشفاه التي ترتسم عليها ابتسامة خفيفة، وهي خصائص جعلت من هذا النمط الفني مصدر إلهام لعدد من رواد الحداثة الأوروبية في مطلع القرن العشرين، بينهم بابلو بيكاسو وأميديو موديلياني، بحسب ما أورده الباحث.

ويُعرف عن النحاتين القتبانيين براعتهم التقنية ودقة أعمالهم، إذ شكلت منحوتاتهم علامة فارقة في تاريخ الفنون القديمة بجنوب الجزيرة العربية، وتميزت بأشكال هندسية حديثة نسبيًا قياسًا بعصرها، ما منحها حضورًا بصريًا قويًا في المتاحف العالمية.

وبحسب المعلومات المنشورة، فإن التمثال كان ضمن مقتنيات ورثة أنتوني بيس، وهو رجل أعمال فرنسي المولد أقام في مدينة عدن خلال النصف الأول من القرن العشرين. عمل بيس موظفًا في شركة «باردي وشركاؤه» لتصدير البن، قبل أن يؤسس نشاطًا تجاريًا واسعًا امتد إلى أوروبا وأمريكا والحبشة، ليصبح أحد أبرز رجال الأعمال في عدن آنذاك.

ويُذكر أن تبرعًا كبيرًا قدمه بيس لجامعة أكسفورد عام 1950 أسهم في تأسيس كلية سانت أنتوني، ما يعكس مكانته الاقتصادية ودوره في الدوائر الأكاديمية والاقتصادية الدولية.

ورغم عدم صدور توضيح رسمي حول أسباب سحب التمثال من المزاد، فإن الخطوة تفتح باب التساؤلات بشأن ملكية القطع الأثرية اليمنية المتداولة في الأسواق العالمية، خاصة في ظل النزاع المستمر في اليمن وما رافقه من تنامي عمليات تهريب وبيع الآثار، بحسب تقارير دولية سابقة.

ويرى مهتمون بالتراث أن عرض قطعة قتبانية نادرة بهذا المستوى في مزاد دولي يسلط الضوء على أهمية الإرث الحضاري اليمني، كما يعيد النقاش حول آليات حماية الآثار واسترداد القطع التي خرجت من البلاد في فترات مختلفة.

وأشار الباحث إلى أن مدن ومواقع الحضارات اليمنية القديمة تتوزع اليوم جغرافيًا بين اليمن والسعودية وعُمان، حيث تزخر مناطق جنوب المملكة العربية السعودية بنقوش مسندية وآثار تعود لحضارات جنوب الجزيرة، ويقع في نجران أحد أبرز المواقع السبئية خارج اليمن.

كما تحتضن السعودية عددًا كبيرًا من الكتابات الأثرية القديمة، من بينها الثمودية والصفائية والنبطية والعربية المبكرة والإسلامية، ما يعكس الامتداد التاريخي والثقافي المشترك في المنطقة.

ويأتي سحب التمثال القتباني من المزاد ليعيد تسليط الضوء على القيمة الفنية والتاريخية للآثار اليمنية، وعلى التحديات المرتبطة بحمايتها وصونها، في ظل تحولات سياسية وأمنية معقدة تشهدها البلاد منذ سنوات.