الصحفي عبدالحليم سيف.. ذاكرة وطنية رحلت بصمت بعد معاناة وتجاهل
السياسية - منذ ساعة و 30 دقيقة
عدن، نيوزيمن، خاص:
في زمنٍ تزدحم فيه الضوضاء وتبهت فيه المعايير، يرحل الكبار بصمتٍ يليق بهم. هكذا غادر الصحفي والباحث اليمني البارز عبدالحليم سيف، أحد أعمدة الصحافة اليمنية وروادها المؤسسين الحياة في 6 فبراير 2026، بعد معاناة طويلة مع المرض استمرت أكثر من عقد، تاركًا خلفه إرثًا مهنيًا ومعرفيًا يُعد من أثمن ما كُتب ووُثّق عن تاريخ الصحافة والعمل النقابي في اليمن.
برحيله، فقدت الصحافة اليمنية واحدًا من حرّاس ذاكرتها، ورجلاً كرّس حياته للبحث والتوثيق والتحقيق والتدقيق، حتى تدهورت صحته وبصره نتيجة سنوات طويلة من العمل المضني بين الأوراق والمخطوطات وأرشيف الصحف.
نقابة الصحفيين اليمنيين نعت الفقيد بوصفه أحد الرواد الأوائل في البحث والتوثيق الصحفي، وأحد الأعمدة التي أسهمت في بناء الوعي الصحفي والنقابي. وأشارت إلى أن مسيرته بدأت منذ أواسط خمسينات القرن الماضي حين غادر إلى عدن ليلتحق بالتعليم الحديث، قبل أن يواصل دراسته للصحافة في موسكو، ليعود بعدها إلى صنعاء باحثًا في مركز الدراسات والبحوث خلال سبعينات القرن الماضي، ثم ينتقل إلى مؤسسة سبأ، ويرأس مركز البحوث في مؤسسة الثورة للصحافة والنشر.
وخلال مسيرته المهنية، تولّى إدارة التحقيقات، وإدارة الأخبار المحلية والعربية والدولية، وأسهم في تطوير الأداء التحريري والمؤسسي، متسمًا بصرامة مهنية عالية ودقة نادرة في تحري الأخبار وتتبع المصادر. تتلمذ على يديه عشرات الصحفيين الذين وجدوا فيه مرجعًا موسوعيًا ومعلمًا صارمًا في الانضباط والدقة واحترام المعلومة.
لم يكن عبدالحليم سيف موظفًا عاديًا في مؤسسة صحفية، بل كان مشروع ذاكرة وطنية. حوّل منزله في صنعاء إلى أرشيف صحفي متكامل، جمع فيه وثائق ومراجع نادرة، واضعًا خبرته ومعرفته في خدمة كل باحث وصحفي دون مقابل. ومن أبرز مؤلفاته كتاب "أربعون سنة صحافة الثورة: النشأة والتطور" وكتاب "نقابة الصحفيين اليمنيين: التاريخ والتجربة"، وهما مرجعان أساسيان لدراسة تاريخ الصحافة اليمنية الحديثة.
تجاهل مستمر قبل الرحيل
وقبل أسابيع قليلة من وفاته، تصاعدت في الأوساط الصحفية والحقوقية مناشدات عاجلة لإنقاذ حياة عبدالحليم سيف، بعد تدهور حالته الصحية ونقله إلى العناية المركزة في مستشفى الكويت بصنعاء. ووقّع عدد من الصحفيين والكتّاب والناشطين على نداء استغاثة طالبوا فيه سلطات صنعاء وعدن، ووزارة الإعلام، ونقابة الصحفيين اليمنيين، بتحمّل مسؤولياتهم الأخلاقية والوطنية تجاه رجل يُعد من مؤسسي العمل الصحفي المهني في البلاد، وأحد أبرز أعمدة صحيفة «الثورة».
وأكد الموقعون أن الحالة الصحية للراحل كانت تستدعي رعاية طبية متكاملة، وتأمين متطلبات العلاج داخل المستشفى، ومنحه فرصة علاج في الخارج مع تغطية نفقات السفر والإقامة، خاصة في ظل تدهور بصره وصحته العامة بعد سنوات طويلة من العمل البحثي المضني. وأشاروا إلى أن ما قدمه سيف للصحافة اليمنية، سواء عبر عمله المهني أو مؤلفاته أو دوره في تأهيل أجيال من الصحفيين، يفرض على الجهات المعنية الوقوف إلى جانبه في محنته الصحية.
غير أن تلك المناشدات، بحسب مقربين منه، لم تُترجم إلى خطوات عملية بحجم المأمول، ما أثار حالة من الاستياء في الوسط الصحفي الذي رأى في ذلك امتدادًا لواقع يعاني فيه كثير من رواد المهنة من الإهمال بعد سنوات من العطاء.
الناشط الحقوقي عارف ناجي علي علّق على رحيله مؤكدًا أن المناشدات تكررت خلال فترة مرضه، مطالبة وزارة الإعلام والجهات الرسمية بالقيام بواجبها الإنساني والمهني، إلا أن الاستجابة – بحسب تعبيره – لم تكن بمستوى تاريخ الرجل ومكانته. وأضاف أن المؤلم في المشهد ليس فقط رحيله، بل ما وصفه بازدواجية المعايير في التعامل، حيث يحظى بعض الأسماء بالدعم والسفر والعلاج على نفقة الدولة، بينما يُترك صحفي وطني أفنى عمره في خدمة الكلمة يصارع المرض وحيدًا.
وتساءل عارف عن موقع وزارة الإعلام والجهات المختصة حين كان أحد أبرز حراس ذاكرة الصحافة اليمنية بأمسّ الحاجة إلى التفاتة رسمية، معتبرًا أن رحيل عبدالحليم سيف يفتح نقاشًا أوسع حول مسؤولية المؤسسات تجاه رموزها، وضرورة وضع آليات واضحة لرعاية الصحفيين الرواد صحيًا واجتماعيًا، حتى لا يتكرر المشهد ذاته مع أسماء أخرى أسهمت في بناء المهنة وخدمة الوعي العام.
عدد من الأصوات في الوسط الصحفي عبّرت عن مرارة مماثلة، معتبرة أن الرجل عمل بصمت، ومرض بصمت، ورحل بصمت، فيما ستتوالى اليوم منشورات الرثاء بعد أن كان في حياته بحاجة إلى موقف عملي لا كلمات عزاء. وذهب البعض إلى أن رحيله يفتح بابًا لمراجعة جدية حول كيفية تعامل المؤسسات مع روادها في لحظات الضعف والحاجة.
حارس الذاكرة
الكاتب عادل عبدالله رسم صورة إنسانية دافئة لعبدالحليم سيف، مستعيدًا حضوره الهادئ في أروقة مؤسسة «الثورة»، حيث كان يجلس في زاويته المعهودة محاطًا بأكوام الصحف الصفراء والمجلدات المتراصة، كأنما يحرس أرشيف وطن بأكمله. لم يكن تعامله مع الأوراق تعاملاً وظيفيًا عابرًا، بل علاقة وفاء عميقة؛ يمرر أصابعه على الصفحات الباهتة بحنوٍّ، قبل أن يبدأ رحلته اليومية بين السطور، يصحح خطأً هنا، ويدقق معلومة هناك، ويعيد ترتيب الفوضى ليُخرج خبرًا متماسكًا يليق بأن يُوثَّق للتاريخ. كان يتعامل مع كل مادة صحفية بوصفها شهادة ستُقرأ يومًا ما، لذلك آمن بأن الدقة ليست ترفًا مهنيًا، بل أمانة أخلاقية.
وأشار عادل عبدالله إلى أن سيف حمل معه، برحيله، أسرار خمسة عقود من الحبر والبحث والتنقيب، منذ أن فتحت له عدن أبواب التعليم الحديث، مرورًا بمحطته الأكاديمية في موسكو حيث تشرب مبادئ الانضباط المهني وأخلاقيات الصحافة، وصولًا إلى عودته إلى صنعاء في سبعينيات القرن الماضي وهو يحمل مشروعًا واضح المعالم: أن تكون للصحافة اليمنية ذاكرة تحفظها من التزييف، وأن تكون للكلمة هيبتها ووزنها في زمن التحولات السياسية المتسارعة. لم يعد بشهادة أكاديمية فحسب، بل عاد برؤية تؤسس لصحافة مؤسسية تستند إلى البحث والتوثيق والمعرفة العميقة بالسياق.
وأضاف أن عبدالحليم سيف لم يكن مجرد مدير أخبار أو رئيس قسم، بل كان مدرسة قائمة بذاتها، وأبًا مهنيًا لعشرات الصحفيين الذين تتلمذوا على يديه. علّمهم أن السبق الصحفي يفقد قيمته إن لم يُدعَّم بمصدر موثوق، وأن الإثارة لا تعوّض غياب الحقيقة، وأن الصحافة رسالة تنوير ومسؤولية مجتمعية قبل أن تكون وظيفة أو منصة للظهور. كان صارمًا في معاييره، لكنه كريم في علمه، يفتح مكتبه لكل من يبحث عن توجيه أو مراجعة أو استشارة، مؤمنًا بأن بناء جيل مهني متماسك هو الامتداد الحقيقي لأي صحفي.
ورغم سنوات المرض التي أثقلت جسده وأضعفت بصره تدريجيًا، ظل وفيًا للمهنة التي أحبها. لم يتخلَّ عن شغفه بالتوثيق والقراءة، ولم يسمح للمعاناة أن تنتزع منه هدوءه أو كرامته. عاش زاهدًا، بعيدًا عن الأضواء، كما رحل بصمت، تاركًا خلفه إرثًا معرفيًا ومهنيًا يصعب تعويضه، واسمًا سيبقى مرتبطًا بفكرة أن الصحافة ذاكرة وطن، وأن من يحرسها إنما يحرس جزءًا من تاريخه ووعيه الجمعي.
>
