مغادرة بن بريك رئاسة الحكومة.. تحولات في مرحلة دقيقة وحساسة

السياسية - Friday 16 January 2026 الساعة 10:53 pm
عدن، نيوزيمن، خاص:

شهدت الساحة اليمنية تطورًا مفصليًا في المشهد الحكومي، مع إعلان مجلس القيادة الرئاسي، برئاسة الدكتور رشاد العليمي، قبول استقالة رئيس الوزراء اليمني السابق، سالم صالح بن بريك، وتكليف وزير الخارجية شائع الزنداني بتشكيل الحكومة الجديدة. 

ويأتي هذا التغيير في وقت يمر فيه اليمن بأزمة متعددة المستويات، اقتصادية وأمنية وسياسية، وسط الحاجة الملحة إلى استقرار مؤسسات الدولة واستكمال إصلاحات القطاع العام، وتعزيز التنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين.

إعلان استقالة بن بريك، فتح النقاش على نطاق واسع حول طبيعة إدارة المرحلة الانتقالية في اليمن، وحدود التوافق داخل مجلس القيادة الرئاسي، في توقيت يوصف بأنه من أكثر المراحل حساسية منذ تشكيل المجلس. ولم يُنظر إلى القرار باعتباره إجراءً إداريًا معزولًا، بل كحلقة جديدة في مسار سياسي متشابك تتداخل فيه الحسابات الداخلية مع الضغوط الإقليمية والدولية.

وجاء التغيير الحكومي في ظل أزمة اقتصادية خانقة، وتحديات أمنية متصاعدة في عدد من المحافظات، وانقسام واضح في الرؤى داخل هرم السلطة، ما جعل ردود الفعل تتجاوز تقييم الأشخاص إلى مساءلة المنهج الذي تُدار به الدولة في هذه المرحلة.

خلفيات القرار… استقالة أم إقالة؟

رغم تقديم الخطوة رسميًا بوصفها قبولًا لاستقالة طوعية، إلا أن مصادر سياسية متطابقة تشير إلى أن سالم بن بريك أُبعد فعليًا عن منصبه نتيجة خلافات عميقة مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي. وتؤكد هذه المصادر أن رئيس الحكومة لم يكن منسجمًا مع التوجه السياسي الذي تبناه المجلس مؤخرًا، خصوصًا بعد التطورات التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة.

وبحسب هذه الرواية، فإن بن بريك تمسك بموقف محايد تجاه الأحداث، ورفض الانخراط في خطاب تصعيدي ضد المجلس الانتقالي الجنوبي، أو تحميله مسؤولية التطورات الأمنية، وهو ما اعتُبر داخل دوائر القرار تقويضًا لمحاولة توحيد الموقف السياسي والأمني. كما تشير التسريبات إلى أن رئيس الوزراء المقال رفض تمرير بيانات رسمية ذات طابع سياسي حاد باسم الحكومة، وأصرّ على إبقاء الحكومة خارج دائرة الصراع بين مكونات مجلس القيادة.

وتضيف المصادر أن الخلاف بلغ ذروته عندما رفض بن بريك عددًا من القرارات الرئاسية المتعلقة بعمل الحكومة والتعيينات، معتبرًا إياها تجاوزًا لصلاحياته، قبل أن ينتهي الأمر بإخراجه من المشهد بصيغة “الاستقالة” لتفادي انفجار الخلاف إلى العلن.

على الرغم من هذه الخلافات، يبقى لرئيس الوزراء السابق سجل ملموس في الإصلاحات الاقتصادية، وفقًا لما يراه المحلل السياسي ماجد الداعري، الذي يشير إلى أن بن بريك تمكن خلال فترة قصيرة وصعبة من تحقيق إنجازات استثنائية، وخلق استقرارًا نسبيًا في سوق العملة المحلية، وهو إنجاز لم تحققه أي حكومة منذ الانقلاب الحوثي على السلطة.

ويضيف الداعري: "ستظل في ذاكرة الجميع تلك الفترة الاستثنائية، ورئيس الوزراء الوطني الذي حافظ على مبادئه وسط ولاءات حزبية ضيقة وإملاءات عليمية غير وطنية. قاوم الضغوط، وواجه التحديات بحكمة وصبر، محافظًا على الوفاق الوطني في أوقات اقتتال الفصائل، وبقي شوكة الميزان لضمان استمرار عمل الدولة".

ويُبرز الداعري أن هذه الإنجازات الاقتصادية، إلى جانب موقف بن بريك الوطني المستقل، دفع البعض إلى تصوير موقفه المحايد تجاه أحداث حضرموت والمهرة على أنه انحياز للزبيدي والجانب الإماراتي، وهو ما ساهم في الضغط عليه لتقديم استقالته، بالرغم من أن الإنجازات التي حققها كانت عاملاً مهمًا لاستقرار الاقتصاد وإعادة الثقة بالعملة المحلية.

الزنداني خيار دبلوماسي لإعادة ضبط التوازن

ويُنظر إلى تكليف شائع الزنداني على أنه رهان على شخصية دبلوماسية قادرة على امتصاص التوترات، وإدارة التوازنات المعقدة داخل مجلس القيادة، ومع المجلس الانتقالي الجنوبي، وكذلك مع الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة في الملف اليمني.

ويشير محللون إلى أن الزنداني يتمتع بقبول إقليمي، بحكم عمله وزيرًا للخارجية، وعلاقاته الواسعة مع العواصم المؤثرة، ما يجعله خيارًا مناسبًا لمرحلة يُراد لها أن تكون مرحلة “تدوير زوايا” أكثر من كونها مرحلة قرارات صدامية. ويرى هؤلاء أن التغيير قد يمهد للانتقال من حالة الجمود التي سادت في الأسابيع الأخيرة، إلى مسار يقوم على تفاهمات أوسع، تفرضها ضرورات توحيد الجبهة السياسية.

ويؤكد الناشط السياسي شوقي نعمان أن صعود شائع الزنداني يعكس استراتيجية محسوبة لإعادة ضبط بوصلة الشرعية في اليمن، بعد فترة شهدت توترات داخلية في مجلس القيادة والحكومة. ويضيف: "خطوة تكليف الزنداني جاءت كتسليم واستلام دبلوماسي، تحفظ تاريخ بن بريك الوطني وتجنبه الصدام مع مراكز القوى الناشئة، خصوصًا بعد تحفظه على توجيهات اجتماع الرياض الأخير. الزنداني خيار دبلوماسي مرن، يحظى بقبول إقليمي واسع، ويتيح تدوير الزوايا الحادة بين المجلس الرئاسي والانتقالي، بما يحوّل مرحلة الجمود إلى مرحلة توافقات استراتيجية تتناغم مع تفاهمات الرياض الجديدة".

حصيلة بن بريك

وبرز إجماع نسبي في الأوساط الاقتصادية والإعلامية على أن فترة سالم بن بريك شهدت تحسنًا ملحوظًا في الأداء الاقتصادي مقارنة بالسنوات السابقة. فقد تمكنت حكومته من وقف التدهور الحاد في سعر صرف العملة المحلية، وتحقيق قدر من الاستقرار النقدي، في وقت كانت فيه المؤشرات الاقتصادية تشير إلى انهيار وشيك.

ويرى محللون أن هذه النتائج، رغم محدوديتها، اكتسبت أهمية مضاعفة كونها تحققت في ظل أزمة تمويلية خانقة، وتراجع حاد في الإيرادات، واستمرار الهجمات على المنشآت النفطية، وهي عوامل أشار إليها أيضًا رئيس مجلس القيادة الرئاسي نفسه في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ).

ويذهب مراقبون إلى أن تمسك بن بريك بالحياد السياسي كان جزءًا من رؤيته للحفاظ على هذا الاستقرار، إلا أن هذا الخيار، وإن أكسبه قبولًا شعبيًا، وضعه في مواجهة مع مراكز قوى رأت في أدائه تهديدًا لمعادلات النفوذ القائمة.

ويؤكد الناشط محمد عمر على أن قرار الإقالة يثير علامات استفهام مهمة، مشددًا على أن بن بريك كان شخصية وطنية فريدة، استطاعت وضع حد فعلي لتدهور العملة المحلية، وإعادة التوازن الاقتصادي في وقت عجزت فيه بقية الأطراف عن مواجهة الأزمة المالية، ويتساءل: "هل أصبح النجاح الاقتصادي عبئًا سياسيًا على بعض القوى، أم أن هناك أبعادًا أخرى لم تُعلن في الكواليس؟"

ويرى الناشط بسام عبد الوليد أن قبول الاستقالة، وإن بدا غير موفق من الناحية الإدارية، يمثل خطوة مدروسة من بن بريك لفتح المجال أمام تشكيل حكومة كفاءات برئاسة الزنداني، بما يضمن قدرة الحكومة الجديدة على مواجهة التحديات المقبلة بشكل متكامل. ويشير إلى أن هذا القرار يتيح إعادة تنظيم الحكومة بما يتوافق مع المرحلة الحالية، ويحول دون أي صدام مباشر مع مراكز القوى الأخرى، ويحافظ على سمعة بن بريك الوطنية ويكرس مكانته كرئيس وزراء استثنائي.

نهاية المحاصصة أم إعادة تشكيلها؟

ويربط مراقبون بين تغيير الحكومة ومحاولات تجاوز الصيغة التوافقية التي نشأت بموجب اتفاق الرياض. ويرون أن إقالة الحكومة كاملة تمثل الطريق الأسهل قانونيًا للتحلل من التزامات المحاصصة، دون الدخول في صدام مباشر مع القوى السياسية المشاركة.

غير أن هذا التوجه يثير مخاوف من أن يكون الهدف هو تركيز القرار داخل دائرة ضيقة، وتحويل الحكومة المقبلة إلى أداة تنفيذية، بدلًا من كونها شريكًا سياسيًا، وهو ما قد يعيد إنتاج الأزمة نفسها بصيغة مختلفة.

ويرى الناشط غانم بحاح إقالة بن بريك بتجاوز قواعد اتفاق الرياض السابقة، معتبرًا أن الحكومة الحالية لم تعد مرتبطة بمحاصصة القوى السياسية التقليدية، وأن تكليف الزنداني يمثل تحويل الحكومة إلى "مكتب تنفيذ" لرؤية الرئاسة، مع تقليص قدرة أي شخصية قوية على التأثير المستقل. ويضيف: "إعادة توزيع السلطة بعيدًا عن قيود الاتفاق السابق يفتح المجال أمام تعزيز التوافقات الوطنية وترسيخ القرار الواحد، مع الحفاظ على الحكومة كأداة تنفيذية للرؤية الرئاسية، دون أي عرقلة من الأطراف المستقلة".

على الجانب الآخر، يرى مصدر سياسي جنوبي أن الخطوة الأخيرة تهدف إلى تقليص قدرة القوى الجنوبية على التأثير في القرار التنفيذي، واعتبر أن اختيار الزنداني يعكس توجهًا لإدارة الحكومة بشكل أقل احتكاكًا برئاسة المجلس وأكثر قابلية لتمرير التوجهات الجديدة، وهو ما قد يحول التوافق التشاركي إلى مجرد غطاء شكلي للقرارات الأحادية، ويضعف قدرة الحكومة على فرض نفسها كطرف سياسي موثوق داخليًا وخارجيًا.

فمع تكليف الزنداني، دخلت الأزمة الحكومية مرحلة أكثر تعقيدًا، إذ يرى مراقبون أن هذه الخطوة تمثل جزءًا من إعادة ضبط موازين السلطة داخل المجلس، بعيدًا عن الصيغة التوافقية السابقة. ويقول مصدر دبلوماسي غربي: "طريقة إدارة التغيير الحكومي تعكس رغبة في تركيز القرار في دائرة ضيقة، دون اعتبار كاف لتوازنات المجلس. الشركاء الدوليون ينظرون إلى المجلس على أنه إطار هش، وأي خطوة لإقصاء طرف فاعل تقلل من قدرته على الصمود سياسيًا. استمرار هذا النمط يرسل رسالة بأن التوافق لم يعد أولوية، ولا إمكان للحفاظ عليه".

ويضيف المصدر أن هذا النمط الإداري قد يضعف قدرة الحكومة على التعامل مع ملفات أكثر تعقيدًا، وفي مقدمها الملف الجنوبي، كما يضعف الثقة الدولية بقدرة السلطة على إدارة الأزمة السياسية والاقتصادية دون الإضرار بالمؤسسات، ويهدد دور اليمن كلاعب مستقر في المنطقة، ما يجعل المرحلة المقبلة أكثر حساسية وارتباطًا بالسياسات الإقليمية والدولية.