أحمد شوقي أحمد

أحمد شوقي أحمد

تابعنى على

ليس مجرد حصار.. بل شلل دماغي كامل!!!

منذ 12 يوم و 9 ساعة و 49 دقيقة

تخيل أن تكون المسافة التي تفصل منزلك عن السوق المجاور 5 دقائق فقط بالسيارة، وخلال أيام، تصبح المسافة بينك وبين السوق ذاته 5 ساعات بالسيارة أيضاً، تمر خلالها بجبال ووديان وطرق ترابية وصخرية ورملية وعوائق طبيعية.

فلا تصل إلى هذا السوق المجاور إلا بعد أن تمر بمغامرات خطرة في رحلتك التي تمتد بك لتسافر عبر إحدى المحافظات التي كانت تقع ضمن دولة مجاورة "سابقاً"، وتسير في طريق مهددة بالانهيار وتحت خطر الانهيارات الصخرية، لتعود مجدداً من تلك المحافظة المجاورة إلى محافظتك نفسها، ومن ثم عبر سكة طويلة متعددة الأوطار تصل إلى السوق المجاور لمنزلك!

هذا ملخص "حصار تعز" في أحد جوانبه البسيطة جداً، فكيف إذا تخيلت أن هذا الحصار الذي يطوق مدينتك من ثلاث جهات، ولا يترك لها سوى طريق واحدة ضيقة ومنهارة، لا يفصل بينك وبين السوق المجاور، بل إنه يفصل بينك وبين عائلتك، زوجتك وأطفالك أو والديك أو أقاربك الآخرين، يفصل بينك وبين المستشفى الذي تتلقى فيه جرعات الغسيل الكلوي المؤلم جداً، يفصل بينك وبين الجامعة التي تدرس فيها... الخ.

طيب هل تخيلت، فيما لو كان هذا الحصار يطوق مدينتك من الجهات الأربع لقرابة عامٍ كامل؟! هل تخيلت أن تعيش في مدينة يمنع عنها الماء، لأن من يحاصرونك قطعوه عنك نهائياً.. وأن تقضي عدة أيام تستخدم مخزون المياه المعدنية لدى المتاجر والبقالات في طهي الطعام والتطهر بعد قضاء الحاجة، وربما الاغتسال؟! هذا حدث.. ولولا أن ثمة بضعة آبار قديمة مغلقة في المدينة تم فتحها لإسعاف الناس، لأهلكنا الحر وغلاء المياه المعدنية.

تصور هذا، وتصور أن معظم المطاعم أغلقت، وكذلك جميع محلات بيع الخضار، تصور أن تذهب إلى سوق الخضار المركزي ولا تجد سوى 4 حبات طماطم متعفنة، حسناً، تخيل أن يموت عشرات وربما مئات الأشخاص في المستشفيات القليلة بالمدينة بسبب انعدام الأوكسجين، ثم تخيل، المئات، بل الآلاف من سكان جبل صبر يتطوعون لنقل المؤن والأطعمة وأنابيب الأوكسجين على ظهورهم عبر الجبال والطرق شديدة الوعورة والتي لا تسير فيها حتى الحيوانات لإنقاذ أبناء جلدتهم من الموت جوعاً وعطشاً واختناقاً؟!

لم يكن ما سبق، بما يشير إليه من معاناة مهولة وضخمة وطئت كل بيت، واصابت كل شخص منا بخسائر وكوارث ومصائب دمرت جزءًا من حياته، وربما دمرت حياته تماماً، سوى نزر يسير مما لحق بتعز من هذا الحصار المليشاوي الحوثي الجائر والغشوم، بل حتى بعد كسر الحصار الكامل منتصف عام 2016، وتحول الحصار المطبق إلى حصار من ثلاث جهات، ظلت مصائب الحصار تصطادُنا حتى لا تُعتق منا أحداً حُباً في الله أو رحمة.

لقد دمر الحصار تعز، أكثر مما فعلت الحرب نفسها، لقد كنا شجعاناً وأقوياء جداً في مواجهة النيران، لكن صمودنا أُنهك، وقوتنا ضعضعت وكبرياءنا جُرح، بالجوع والمرض والحاجة، ورُغم ذلك، كابَرنا، لكن.. ظلت آلة الحصار تحفر غائراتها الخبيثة في الصدور والعقول، وتزرع السوس لتنخر ما في جوفنا من حياة وصلابة ووعي وشكيمة.

إن أكثر ما فقدناه في تعز نتيجة لهذا الحصار القاتل، هو الإنسان، أعظم مدخراتنا واستثماراتنا ورؤوس أموالنا، فقدنا رجال الأعمال، متاجرهم ومؤسساتهم وشركاتهم، فقدنا المهنيين والفنيين والأكاديميين والأطباء والمهندسين والعقول العظيمة، فقدنا الاستثمارات والمشاريع والفُرص، فقدنا أصحاب الحِرف والفنون والمبدعين وكل من له قدرة على العطاء والإنجاز وخدمة نفسه ومحيطه، فقدنا الوعي والاجتماع والتواصل، فقدنا التعاون والشهامة والمحبة الصافية، فقدنا الاحترام، للموقف والقِيم العظيمة، حتى فقدنا الإيمان ونحن نرى كل شيء ينهار عاماً بعد عام، ولا من مغيث أو من ينتصر لعدالة السماء!

جميعهم غادرنا مع كل فرصة للرحيل، كثيرون أعمالهم وأرزاقهم وحتى منازلهم كانت خارج مدينتنا، آخرون لم يجدوا عملاً يقتاتون منه فهاجروا بحثاً عن أعمال، والأمر ينسلخ على عشرات الآلاف من العقول والأيدي المنتجة، لم يتبقَ في المدينة إلا من أرغموا على قضاء محكوميتهم فيها لأسباب سياسية أو اجتماعية أو غيرها، فضلاً عن شِلل من الطفيليين الذين وجدوا في الحرب والحصار وسيلة للانتفاع وتغطية الفراغ بحضورهم المبتذل، فعملوا في الإعلام والأنشطة الخيرية أو لصالح المنظمات، أو سماسرة في كل المجالات ولكل الجهات وخصوصاً تجار الحروب، حتى تضاءلت قائمة الموثوق بهم لدى كل من يحترم نفسه إلى أدنى حدودها من هول الابتذال والانحطاط الذي تراه وتعايشه.

فقدت تعز نخبها الصادقة، ورجالها النجباء، وهذا جعلها مشلولة، عقلها مشلولاً، أعصابها مرتخية أو تالفة، وجهها تكسوه البلاهة، ولعابها يسيل على صدرها الحاني والأشم، عينيها تتقلبان بصورة "منخولية" مرعبة ومضحكة في آن، فمها مفتوحاً وحواسها فاقدة للشعور، لا تميز طريقها ولا تؤدي حركتها ولا تتحكم في عضلاتها ووظائفها، عقلها دمر، ووعيها نُسف وامتلأ بصرخات الغوغاء والمعتاشين بالفوضى والضجيج النشاز.

كثيرٌ من الذين غادرونا، كانوا جزءًا من روح المدينة، وجزءًا من موقفها الأبي والأخلاقي في وجه الكهنوت والمليشيا الطائفية، وكانوا قوام قيامتها على الانتهازيين والمتاجرين بقضاياها، وحائط الصد في وجه النهابين والعابثين والمزيفين، صارت طريق العودة شبه مغلقة بالنسبة إليهم.. ففقدت المدينة روحها ووعيها وحيويتها وشجاعتها ورباطة جأشها، كما فقدت أطباءها ومعلميها وأكاديمييها وكتابها ومهنييها وتجارها وسياسييها بل وحتى ضباطها وعسكرها الذين ذهبوا لأداء الخدمة في مناطق أخرى، لا تجبرهم على إهانة بزتهم العسكرية، والخضوع لأساتذة التجويد والتفسير المدججين بالرتب.

لا غرو أن تفقد تعز اليوم بوصلتها وطريقها وقد فقدت نخبتها، وطبقتها الوسطى، أبناء الدولة وآباءها من المتعلمين والمهنيين والأكفاء، لا عجب وقد أصبح صوتها مصادراً ورهينة في حناجر النائحات المستأجرات من فئران الموائد، ومن شطار القوافل المتطفلين على أموال الناس بالباطل.. لم يكن ما جرى في السنوات الست الماضية مجرد حصار، بل كان شللاً دماغياً كاملاً، جعل حياتها عبئاً ثقيلاً مثيراً لشفقة الخصوم والأصدقاء!