د. صادق القاضيد. صادق القاضي

كقضية دينية عامة: ما علاقة المسيحية بالحضارة؟!

مقالات

2020-07-23 16:52:24

لأسباب مفهومة. يبالغ معظم المسلمين وكثيرٌ من الغربيين.. في تصوير أهوال الصراع بين العلم والكنيسة. كما لو أن الكنيسة كانت هي حارسة الظلام والجهل، وعدوة العلم والحضارة بالمطلق.!

هذا كلام غير صحيح. شارك الكثير من رجال الدين المسيحي في مسيرة التنوير، وبناء صروح الحضارة الغربية الحديثة، والدفع بالعلم إلى الأمام منذ عصر النهضة.

كوبرنيكوس كان راهباً بولندياً تقياً. ومثله جاليليو.. كذلك روجر باكون والعبقري نيوتن.. وصولاً إلى لينيوس وغريغور مندل.. ومئات غيرهم من كبار العلماء الغربيين.. كانوا جميعاً في السلك الكهنوتي أو لديهم مؤلفات دينية.

في المقابل يبالغ آخرون في تهويل دور المسيحية في بناء هذه الحضارة، وإضفاء هالة حضارية على هذا الدين الذي يمكن تذكّر أن بداية عصر النهضة الغربية الحديثة تمثلت بالتمرد على سلطته السياسية والكهنوتية والمعرفية.!

لنتذكّر أيضاً أن نهاية الحضارة الغربية القديمة، وبداية العصور الوسطى المعروفة بعصور الانحطاط. تحددت تاريخياً بتفشي المسيحية في الغرب، واعتمادها كدين رسمي للامبراطورية الرومانية.

المسيحية ليست مرادفاً للحضارة، ولا مضادة لها. الدين -أيّ دين- هو ظاهرة مستقلة عن الحضارة، ولا علاقة له بها. إلا -في أحسن الأحوال- كرؤية غير معادية للفلسفة، وسلطة لا تقف حجر عثرة في طريق العلم.

حدث هذا -أحياناً وبشكل جزئي- في حالة الكنيسة، في مقابل حدوث العكس. متجسداً في تحريم وتجريم بعض الآراء والأفكار العلمية، ومحاكمة أصحابها ومروجيها.

ما فعلته الكنيسة حقاً، وكان له تأثير إيجابي في هذا المقام. هو أنها -بجانب ما قدمه رجال الدين المسيحي كجهود فردية من إضافات مهمة في مسيرة العلم- استأنست التراث الفلسفي اليوناني والروماني، وتبنت فلسفة أرسطو.. بشكل رسمي.

على أسس هذا التراث العلمي والفلسفي والأدبي "الهيليني". والتراث الإنساني عموماً بما فيه الثراث العلمي العربي.. أرست الحضارة الغربية الحديثة دعائمها، كامتداد لحضارة إنسانية تراكمية واحدة.

-->