بسام الإرياني

بسام الإرياني

تابعنى على

الجامعات اليمنية معسكر الحوثي الكبير

منذ 3 ساعات و 4 دقائق

لم تعد الجامعات اليمنية فضاءات للعلم والمعرفة كما يفترض بها أن تكون، بل تحولت في ظل سلطة الحوثي إلى ما يشبه المعسكر المفتوح لإعادة إنتاج الأيديولوجيا وتجنيد العقول قبل الأجساد. فما يجري داخل أسوار الجامعات التي تحت سيطرة مليشيا الحوثي، كجامعة صنعاء وعمران وذمار وحجة وإب والحديدة، يتجاوز العبث الأكاديمي إلى مشروع ممنهج لأدلجة التعليم وتسخيره لخدمة الحرب. فالمليشيا التي فشلت في بناء دولة نجحت إلى حد بعيد في تحويل مؤسسات التعليم العالي إلى أدوات تعبئة وسيطرة تخدم بقاءها وتغذي صراعها.

منذ سيطرة الحوثيين على العاصمة بدأت عملية إعادة هندسة شاملة للجامعات شملت الإدارة والمناهج والبيئة العامة، فتم تعيين قيادات جامعية على أساس الولاء لا الكفاءة، وجرى تهميش الأكاديميين غير المنسجمين مع خطاب الجماعة أو دفعهم إلى التقاعد القسري أو إجبارهم على الصمت مقابل لقمة العيش. وباتت القرارات الأكاديمية تمر عبر مشرفين أمنيين لا علاقة لهم بالتعليم، فيما أصبح النشاط الطلابي مراقباً ومقيداً ولا يسمح إلا بما يخدم خطاب الجماعة.

الأخطر من ذلك هو تحويل الحرم الجامعي إلى ساحة تعبئة أيديولوجية دائمة، حيث فرضت الدورات الثقافية الطائفية كشرط غير معلن للاستمرار في الدراسة أو الحصول على بعض الخدمات، ويتم استدعاء الطلاب لحضور محاضرات تمجد الحرب وتقدس القتال وتعيد تفسير التاريخ والدين بما يخدم مشروع المليشيا. هذه الدورات لا تقدم فكراً نقدياً ولا معرفة علمية، بل تلقن خطاباً واحداً يقوم على فكرة الاصطفاء والعداء الدائم، وهي بذلك تلغي جوهر الجامعة كمكان للاختلاف والسؤال الحر.

الأمثلة على عسكرة التعليم كثيرة، فخلال السنوات الماضية تحولت ساحات الجامعات إلى منصات لتشييع قتلى الجبهات وعرض الأسلحة وجمع التبرعات للمجهود الحربي، ويتم تدريب كوادر الجامعات من دكاترة وموظفين على المناورات العسكرية، ويتم استغلال الطلاب نفسياً واقتصادياً لدفعهم نحو القتال تحت شعارات دينية ووطنية زائفة. وثقت حالات تجنيد طلاب جامعيين بشكل مباشر من داخل الحرم الجامعي، حيث يتم إغراؤهم بالمال أو التهديد بحرمانهم من الدراسة. هذه الممارسات تجعل من الجامعة امتداداً للجبهة لا مساحة محايدة للعلم.

اقتصادياً لم تسلم الجامعات من الفساد المنظم، ففرضت رسوم غير قانونية تحت مسميات دعم المجهود الحربي أو الدورات الثقافية أو الأنشطة الصيفية، وتحولت المنح والمقاعد إلى امتيازات تمنح على أساس الولاء، بينما يعاني آلاف الطلاب من العجز عن دفع الرسوم في بلد يعيش أسوأ أزمة إنسانية في العالم. هذا الاستنزاف الممنهج يدفع كثيرين إلى ترك الدراسة أو الارتماء في أحضان المليشيا أملاً في راتب أو امتياز بسيط، ما يعزز حلقة التجنيد والاستغلال.

أما البحث العلمي فقد أصيب بالشلل الكامل، فغياب التمويل وهجرة الكفاءات وتقييد الحريات الأكاديمية حولت الجامعات إلى مبان بلا روح. لم تعد هناك مؤتمرات علمية حقيقية، ولا شراكات دولية، ولا إنتاج معرفي ذي قيمة، لأن البيئة القمعية لا تنتج علماً بل تكرر الشعارات. حتى رسائل الماجستير والدكتوراه باتت تخضع لرقابة غير معلنة تفرض خطوطاً حمراء سياسية وفكرية، وهو ما أفقد الشهادات قيمتها وسمعة الجامعات اليمنية إقليمياً ودولياً.

التحكم بالجامعات لا ينفصل عن مشروع السيطرة على المجتمع، فالمليشيا تدرك أن الجامعة مصنع النخب، وإذا نجحت في تطويعها ضمنت أجيالاً مشوهة الوعي ترى في الحرب قدراً، وفي الطاعة فضيلة، وفي الاختلاف خيانة. ولهذا يتم استهداف الطلاب باعتبارهم طاقة المستقبل، أما الأساتذة فيتم إخضاعهم بالتجويع والترهيب لضمان تمرير هذا المشروع دون مقاومة تذكر.

تحويل الجامعات إلى معسكرات فكرية لا يهدد فقط التعليم بل يهدد مستقبل اليمن برمته، فدولة بلا جامعات حرة هي دولة بلا عقل نقدي وبلا قدرة على النهوض بعد الحرب. وحتى إذا توقفت المعارك غداً فإن الأثر العميق لهذا التدمير سيبقى طويلاً في عقول جيل كامل تربى على الكراهية لا المعرفة، وعلى السلاح لا القلم.

ما يحدث في الجامعات اليمنية اليوم جريمة صامتة لا تقل خطورة عن القتال في الجبهات، لأنها تستهدف الوعي وتعيد تشكيل المجتمع من الداخل. ولهذا فإن استعادة التعليم من قبضة المليشيا ليست قضية أكاديمية بل معركة وطنية بامتياز؛ فأما جامعات تنتج علماً وحياة، وإما معسكرات تنتج وقوداً لحرب لا تنتهي. وفي هذا المفترق يقف اليمنيون أمام سؤال مصيري عن أي مستقبل يريدون، وأي جيل سيحمل عبء الخلاص أو وزر الانهيار.