لم يكن خبر وفاة الرئيس اليمني الأسبق علي سالم البيض حدثًا عابرًا في نشرات الأخبار، بل لحظةً فارقة كشفت ما تبقّى من وجدانٍ لا يزال حيًّا تحت الركام. ففي يوم رحيله، توحّد اليمنيون ــ على اختلاف مناطقهم وتباين مواقفهم ــ حول دعاءٍ واحد، وكأن الموت وحده ما تبقّى قادرًا على جمع ما فرّقته السياسة والحروب.
من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، تحوّلت المنصات والشاشات إلى سرادقات عزاء. لم يكن العزاء لشخصٍ فقط، بل لوطنٍ أنهكته الصراعات، وسُحقت أحلامه بين مطامع النخب وعناد المشاريع المتصارعة. فكان المشهد بكاءً صامتًا على اليمن قبل أن يكون رثاءً لرجلٍ غادر الحياة.
رحيل الرئيس البيض أعاد فتح دفاتر الذاكرة الوطنية. فقد رجع باليمنيين إلى زمنٍ كانت فيه الخلافات ــ مهما اشتدّت ــ تُدار داخل إطار الدولة، لا فوق أنقاضها. زمنٍ كان فيه الصراع سياسيًا، لا مشروعَ تدميرٍ شامل. وبما له وما عليه، تحوّلت سيرة هذا الراحل إلى محاكمة قاسية، لا تحاكم الماضي بقدر ما تفضح فشل الحاضر وعجز القائمين عليه.
لم يكن الإجماع الذي رافق وفاة هذا الرجل إجماعًا على تقييم تجربته، بل إجماعًا على التعب. تعب الناس من الحرب، من الشعارات، من المتاجرة بالدم، ومن نخبةٍ أدمنت إدارة الخلاف بمنطق الثأر لا بمنطق الدولة. في تلك اللحظة، قال اليمنيون ــ دون بيانٍ ولا تنسيق ــ إنهم سئموا العبث، وإن الوطن لم يعد يحتمل مزيدًا من المقامرات.
هكذا تحوّل رحيل البيض إلى صفعةٍ أخلاقية لكل من يتصدّر المشهد اليوم على كراسي حكم اليمن. صفعة تقول إن الشعوب قد تصبر، لكنها لا تنسى، وإن التاريخ لا يرحم من أهدر الفرص وأغلق أبواب السياسة وفتح بوابات الحرب. رجلٌ واحد غادر الحياة، فحرّك مشاعر الناس أكثر مما فعلت خطابات وسنوات من الصخب الفارغ.
إن الرثاء الحقيقي لا يكون بالكلمات ولا بالصور، بل بالفعل. بأن تتّعظ النخب، وأن تعيد الاعتبار لفكرة الدولة، لا لمنطق الغلبة. بأن تعترف بالأخطاء، وتغلق دفاتر الدم، وتفتح طريقًا جادًا نحو سياسة رشيدة تنقذ ما تبقّى من الوطن.
رحل علي سالم البيض، وبقي الجدل حول تجربته مشروعًا ومفتوحًا. لكن الثابت أن يوم وفاته وحّد اليمنيين، ولو للحظة. وتلك اللحظة وحدها كافية لتقول إن المشكلة ليست في الأموات، بل في الأحياء. فالتاريخ، حين يكتب، لن يسأل من اختلف، بل من أنقذ اليمن ومن تركه يغرق.
رحم الله الرئيس على سالم البيض واسكنه فسيح جناته...
>
