مصطفى النعمان

مصطفى النعمان

تابعنى على

توقعات اليمنيين من العهد الجديد

الأربعاء 27 أبريل 2022 الساعة 12:40 ص

في البدء، لا بد من الإشارة إلى أن خضوع الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي للتنحي جاء بتأييد داخلي كافٍ وضغط إقليمي ودولي رغب معه الجميع بتخليه عن مسؤولياته وخروجه من المشهد السياسي برمّته بعد عشر سنوات من اختياره في 21 فبراير (شباط) 2012 مرشحاً وحيداً و"توافقياً" لرئاسة الجمهورية، خلفاً للرئيس الراحل علي عبدالله صالح.

وقبل تنازله شبه الطوعي عن الرئاسة، أصدر هو نفسه قراراً بعزل نائبه وحليفه التاريخي الفريق علي محسن الأحمر، الذي رعاه منذ يناير (كانون الثاني) 1986، ثم كان له الفضل الأول في وضعه على الواجهة السياسية بعد حرب صيف 1994، ومثّل خروجهما معاً حدثاً يتوقع كثيرون ممن نادوا به أن يشكل خطوة إيجابية نحو السلام المستدام والاستقرار.

قضى الرئيس السابق هادي، وكل حكوماته ومستشاريه، ثمانية من أعوام حكمه العشرة في المنفى الاختياري بالرياض، بعد أن استنجد بالعاهل السعودي لمساعدته في استعادة العاصمة والدولة. 

وهي فترة طويلة جداً أدت إلى تآكل المؤسسات الرسمية وإفساح المجال لخلق تكوينات مسلحة كثيرة صارت هي الأكثر حضوراً على الأرض وفي المشهد الجديد الماثل أمامنا.

الواقع إن فترة حكم الرئيس السابق هادي لا تحتاج إلى كثير من الجهد والاجتهاد لتقديم حكم سياسي يفضح هزالتها، فقد كان واضحاً من اليوم الأول لتولّيه المنصب الأعلى والأهم في الدولة أن قدراته ومواهبه السياسية لا تؤهله لحكم بلد في ظروف انتقالية واستثنائية وتجري فيه حروب متعددة.

وعلى الرغم من كل ما وجّهته إلى الرئيس السابق من انتقادات قاسية، إلا أن من الإنصاف التذكير بأن الطبقة الحزبية التي اختارته خلفاً للرئيس الأسبق علي صالح تغاضت عن كل ممارساته ولم تعترض على سوء أدائه، بل وكانت تختلق المبررات والأسباب للتغاضي عن الأخطاء الكارثية، التي لم تتوقف حتى يومه الأخير في الحكم، وبالغت في انتقاد كل من حذر من أخطار تلك السياسات الفاشلة والصمت عنها، واتهمت كل من نبّه بأنه يسعى إلى هدم الشرعية.

 وسمح هذا التسيّب في انهيار المؤسسات من دون رقيب أو حسيب.

ولقد كان من أكبر خطايا وأخطاء كل من عمل مع الرئيس السابق هادي أنهم سايروا أهواءه ولاذوا بالصمت عن ممارسات أبنائه وغض النظر عنها بمبرر أن المرحلة استثنائية، وأنه يمثل الشرعية الدستورية، ورددوا جميعاً شعارهم الأثير "فوّضناك"، ليمنحهم راحة البال والحصول على رضاه والبقاء معه في الواجهة.

يظن كثيرون أن غياب الرئيس هادي ونائبه علي محسن عن المشهد السياسي، قد أزاح عقبة صعبة للغاية عن مسار استعادة الدولة والعاصمة صنعاء، وربما كان هذا القول صحيحاً ظاهرياً، لكن من الواجب التنبيه إلى خطورة الأوضاع التي خلّفها وتراكمت طيلة أعوام حكمه العشرة ولم تكُن جميعها من صنعه منفرداً، بل كان كثير منها متوارثاً من الماضي. 

ويتحمّل كل من شاركه الحكم مسؤولية عدم معالجتها، بل على العكس من ذلك، فقد تعايشوا معه واستفادوا منه ومارسوا ما تم ترسيخه كمبدأ للحكم غير الرشيد، ما ضاعف من تأثيرات الحرب.

اليوم يبدو المشهد مختلفاً بحكم طبيعة الرئيس الجديد رشاد العليمي، فشخصيته تمثل نقيضاً فاضحاً لطبيعة الرئيس هادي.

 فهو أكثر تجربة وقدرة وحنكة ونشاطاً في العمل الإداري والأمني والسياسي، ويتمتع بشبكة علاقات اجتماعية واسعة مفتوحة على كل الاتجاهات السياسية، ما يعطيه فرصة عظيمة ونادرة لوضع اسمه في مصاف الحكام الكبار للبلاد، ولكن هذه المهارات ليست كافية لوحدها. 

ولكي يتمكن الرئيس الجديد من ذلك، سيحتاج إلى التركيز على ثلاث قضايا أساسية ستعطي للناس الانطباع الأول الذي سيترسخ في أذهانهم عنه وعن توجهاته وأسلوب حكمه كرجل صار في واجهة الأحداث.

أول ما سيراقبه الناس هو اختيار شخصيات الدائرة السياسية والإدارية المحيطة به ومؤهلاتهم وكفاءاتهم، والأمر ينطبق على دوائر أعضاء المجلس الجديد، وسيفهمون منها مؤشرات المرحلة الجديدة. ومن المهم إدراك أن هذه الشخصيات سترتبط صورتها في أذهان الناس بصورة العهد الجديد سلباً أو إيجاباً. 

كما أن الحاجة تقتضي اقتناع كل المجلس بكل شخصية سيقرر اختيارها وتوكل إليها المهمات الاستشارية والمتابعة والرقابة في نطاق المجلس كاملاً، ومن المحتم وضع الخطوط الفاصلة بين مهمات أعضاء المجلس. 

وليكُن معلوماً أن الأبصار ستراقب سلوك أبنائهم وأقاربهم وتأثيرهم في سير أعمال الدولة وما إذا كانوا سيمارسون نفس ما حدث مع من سبقوهم في هذه المواقع.

القضية الثانية الملحة أمام الرئيس منفرداً، والمجلس مجتمعاً، هي البحث في المعالجات العاجلة جداً والحازمة جداً لوضع حد لتدهور الحال المعيشية لليمنيين، كل اليمنيين، ووضع حلول فورية لانهيارات سعر العملة الوطنية والمضاربة بها، وهذا يتطلب التعاون الكامل بين المجلس ومحافظ البنك المركزي ومنحه الاستقلالية الكاملة لتحديد السياسة النقدية والسيطرة على المؤسسات المالية.

كما يتوقع الناس تفعيل واستقلالية جهاز مكافحة الفساد وجهاز الرقابة والمحاسبة ونشر تقاريرهما على الناس قبل البدء بالحديث عن تغييرهما، فليس من المعقول التعلل بسرّيتها بينما الغرض منها تعرية سوء الإدارة وفضح من يقومون بنهب المال العام وسيمنح هذا الإجراء الأجهزة الرقابية المصداقية التي تحتاجها أمام الرأي العام.

أخيراً وهي القضية الأخطر.. يعي الجميع أن الحكم الجماعي ليس النموذج الأمثل لتسيير أعمال الدولة، ولم يسبق أن كانت التجارب السابقة في اليمن مدعاة لتكراره، فهو يؤدي إلى تباطؤ حسم القضايا وتتقدم فيه المساومات والتنازلات على المصلحة العامة الجامعة، خصوصاً إذا امتلك بعض من أعضاء المجلس قدراً مهماً من النفوذ العسكري والسياسي والاجتماعي.

 وتدل التجارب السابقة على أن مجمل صلاحيات الحكم الجماعي وقوته يجب أن تؤول إلى رئيس فرد يمتلك مهارات سياسية حاسمة لقيادة دفة الأوضاع نحو الاستقرار إذا كان متكئاً على مؤسسة عسكرية وأمنية منضبطة وموحدة. 

لذا، فإن استمرار التوافقات حول القضايا الوطنية وإيجاد غرفة عمليات عسكرية مشتركة سيكونان استثنائيَين وآنيَين، ولا يمكن التعويل عليهما بصورة مستدامة، ولن تكون الخلافات حدثاً مفاجئاً بين عدد من خصوم الأمس القريب. وهنا تلعب شخصية الرئيس الجديد الدور الحاسم.

اليوم يقف المجلس الجديد أمام مهمات وتحديات تجعل موقفه وموقعه وتصرفاته تحت رقابة الداخل وترقّب الخارج، وهو محاسب أخلاقياً ومعنوياً أمام المواطنين في أداء مهمته التاريخية لإحلال السلام، المدخل الحقيقي لمعالجة الكوارث التي نتجت بسبب الحرب، وهذا يتطلب وجود شريك حقيقي في صنعاء جاد وراغب بإنهائها وتقديم التنازلات الصعبة من أجل الوطن، كل الوطن.

* نقلا عن اندبندنت عربية