مصطفى النعمان

مصطفى النعمان

تابعنى على

هل ينجح مجلس القيادة اليمني؟

الثلاثاء 12 أبريل 2022 الساعة 11:59 م

انقسم اليمنيون في تقويم الوثيقة التي لخصت ما دار في "مشاورات الرياض" التي دعا مجلس التعاون لدول الخليج العربية اليمنيين إلى الانخراط في نقاشاتها عبر محاورها الستة، السياسية والأمنية والاقتصادية والإنسانية والاجتماعية والإعلامية.

توزع المشاركون على اللجان الست، وسبق ذلك صراع بين الأحزاب تركز حول عدد ممثليهم في لقاءات المحور السياسي، وطالبت بممثلين لها كأنما الأمر سيجري بالتصويت وليس أن الحاضرين مطلوب منهم التعبير عن أفكار بعيدة من التعصب الحزبي والارتقاء وطنياً وإنسانياً.

ما صدر عن الحاضرين في البيان الختامي هو الخلاصة التي قرأها الميسرون في المحاور المختلفة، وعلى الرغم من أنها أثارت حفيظة بعض الحزبيين المشاركين إلا أنها جاءت قريبة مما دار في جلسات اللجنة وطرحه بعض آخر، على الرغم من أن الجميع كان موافقاً على وجوب التغيير العاجل، وهذا متوقع لأن التوصيات التي تليت أعطت مؤشرات سياسية حول حيوية التغييرات في هيكل السلطة الأعلى التي رأت فيه بعض الأحزاب أنها ستقلص مستوى النفوذ الذي يتمتعون به في السلطة، ثم جاء البيان الصادر باسم المشاركين في نقاشات كل المحاور (قرأه رئيس الحكومة) يوم اختتام أعمال المشاورات في السابع من أبريل (نيسان) 2022.

لم يعترض أي من قيادات الأحزاب المشاركة على ما صدر في الجانب السياسي، خصوصاً ما يتعلق بضرورة تغيير رئيس الجمهورية ونائبه وضرورة إدخال اللاعبين الجدد الذين يمتلكون قوة مسلحة بعيدة من سيطرة الدولة وقيادتها على أمل دمج هذه القوى المبعثرة تحت قيادة واحدة بعقيدة عسكرية واحدة يكون ولاؤها أولاً وأخيراً للوطن، وأن تخضع لدستور الجمهورية اليمنية.

وفجر يوم الثامن من أبريل أفاق اليمنيون على قرارين للرئيس السابق عبدربه منصور هادي، أعفى بموجب الأول نائبه الفريق علي محسن الأحمر، وفي الثاني نقل كل سلطاته وصلاحياته الممنوحة له بموجب الدستور النافذ إلى مجلس القيادة الرئاسي، ووضع اسم الدكتور رشاد العليمي رئيساً له، وقد وافقت القوى الحزبية المشاركة في "المشاورات" على منطوق القرارين، واعتبروهما إجراء استثنائياً واجب الحدوث.

ضمت تشكيلة مجلس القيادة الرئاسي قيادات القوى المسلحة التي تسيطر على مساحات جغرافية متفرقة، ووضعت أمامهم القضية الأكثر حساسية والمتمثلة في إرادتهم وقدرتهم على للعمل الجماعي على توحيد ألويتهم العسكرية التي تعمل خارج سلطة وزارة الدفاع، وسيكون ذلك الاختبار الأعسر الذي سيبين وحدة المجلس أمام التحديات الأخرى، وعلى رأسها الأوضاع المعيشية لكل اليمنيين، وعودة مؤسسات الحكم فوراً إلى الداخل.

هذه التحديات ستكون اختباراً عسيراً ومؤشراً فاضحاً على تثبيت الهدنة التي أعلن عنها المبعوث الأممي التي يفترض اليمنيون أنها ستعمل على تخفيف المعاناة الإنسانية وفتح المعابر في تعز والضالع ومطار صنعاء، بعد عذاب طويل أنهك وعذب المواطنين على مدى سنوات الحرب السبع.

 ومن المؤمل أن تثبيت الهدنة واستمرارها سيفضيان إلى بدء مشاورات السلام التي طال انتظار اليمن والإقليم لها، ولكن هذا يحتاج إلى جدية الحوثيين واستعدادهم للعمل بعيداً من منطق القوة وما فرضوه بالسلاح داخل الرقعة الجغرافية التي يسيطرون عليها.

لقد أثبتت المشاورات اليمنية – اليمنية أن الفترة التي سبقتها كانت بحاجة إلى إجراءات قسرية لكسر الجمود الذي أصابها حد التكلس، ولم تعد أي من مؤسسات الدولة تعمل بانتظام وعاش أغلب المسؤولين بعيداً من الناس غير مكترث لأوضاعهم.

 وسينتظر الناس من المجلس الجديد خطوات عملية بعد سنوات من الخطاب الإعلامي الممل والمكرر والأداء الحكومي المتعثر والفساد المستشري.

ولن يكون كافياً الإعلان عن مشاريع وخطط وإنجازات وهمية، لأن الناس ما يعدوا يحتملون مزيداً من تزييف الواقع، بل إن مواجهتهم بالحقائق وشرح الصعوبات من دون تصنع ولا استخدام لمفردات ساذجة ولا تبشيرهم بطموحات يعلم مروجوها أنها غير قابلة للتنفيذ على أرض الواقع.

هل ينجح المجلس الحاكم الجديد في انتشال البلد من هاويته السحيقة والسير نحو السلام؟ 

وهل سيجد شريكاً جاداً يعينه على ذلك؟ 

اليمنيون في صفوف الشرعية يصل بهم اليقين أن الحوثيين غير جادين ولا راغبين الخوض في مسار السلام، ودليلهم هو أن حل التجريف الثقافي الذي يفرضونه (أعني الحوثيين) يضع ألغاماً كثيرة أمام مصالحة وطنية تخفف من ويلات الحرب، وسيقف عثرة أمام عودة تماسك النسيج الاجتماعي.

 والواقع أن كل يوم تستمر فيه القذائف يعمق من حجم المأساة الوطنية التي سيواجهها أي نظام، ومعها لا يمكن الحديث عن استقرار وسلام وأمن وازدهار.

تبقى قضية أخيرة يجب أن يدركها الجميع ويتعامل معها بواقعية شديدة من دون شطط، وأذكر الجميع هنا أن البيان الختامي للمشاورات اليمنية – اليمنية نص بوضوح أنه "بعد فشل الحلول العسكرية التي أدت إلى قتل وجرح الآلاف من اليمنيين وتهجير الملايين، فإن المطلوب هو تقريب وجهات النظر وتقليص نقاط الخلاف بين الأطراف المعنية من دون استثناء، والانخراط في الحل السياسي والجلوس إلى طاولة المفاوضات لمناقشة نقاط الخلاف كافة، والتخلي عن الحلول العسكرية بدءاً بتعزيز الهدنة الحالية والدخول في محادثات سلام تحت رعاية الأمم المتحدة".

من المعلوم أن المزاج والرغبة السائدين في الإقليم والعالم يؤكدان ضرورة إنهاء هذه الحرب في أقرب الآجال، وعلى اليمنيين في طرفي الصراع أن يستوعبوا جيداً أن بلادهم ستصبح قضية منسية لا يهتم بها أحد، وأن العالم لن يكترث لمآسي بلد لا يكترث أبناؤه لمصيره ولحاضره ولمستقبله.

فلقد نزفت دماء كثيرة وتعرض البلد إلى دمار مهول وتجريف ثقافي واجتماعي مازال مستمراً، ولن يكون ممكناً وقف كل هذه المصائب إلا بوقف الحرب والالتفات نحو مسار السلام.

 وهذه مسألة تقع على جماعة أنصار الله (الحوثيين)، المسؤولية الأكبر للتعاطي معها والسعي نحو مصالحة وطنية مجتمعية تسير جنباً إلى جنب مع مشاورات السلام المقبلة.

* نقلا عن إندبندنت عربية