محمد عبدالرحمن

محمد عبدالرحمن

في صنعاء "عشق" لا يعرفه الإيرانيون

الأحد 27 فبراير 2022 الساعة 09:06 ص

 أعرف أنني قد أتوه في ثنايا الأفكار وبناتها، ولا أطيق الانتظار أو تأجيل مشاعري تجاه "صنعاء" وهي التي على تنورها صنعت لوجه التاريخ باباً وفتحت قصورها للأسماء والعابرين وولادات اللحظات التي لا تُمحى من ذاكرتها وملامح أبنائها، وأعرف أني من صنيعة صنعاء وعشقها الطفولي وانسيابها في مراهقتي بين أوردتي وأزقة حواريها ومآذنها العامرة بصوت الجلالة والتعظيم للواحد الأحد، وأعرف أني مكبل بأنياب الحرب وخشوم بنادق إيران المتجولة عند بابي وفكري.

لا أحد من الإيرانيين الذين ينظرون في صنعاء بستاناً طهرانياً في جنباته كل ما تجود به الجنة، ومرتعا لهم وفاكهة يلتهمونها متى أرادت ذهنيتهم التوسعية، سيدرك أنها مدينة محشوة بالعشق الذي زرعته في أفئدة أبنائها وزوارها ومرتاديها حباً وتعظيماً، ولن يدرك أحد من هؤلاء الإيرانيون أن بقاءهم هو مجرد لحظة عابرة في زمن الحرب الطارئ ولن يدوم إلى الأبد.

ما في صنعاء هو حسناتها التي أدخرتها في كل التاريخ، ولن يتذوق أثر تلك الحسنات إلا من يذوب في فؤاده عشقها وماؤها الذي يسري في أوردة كل من يراها أم المدائن اليمنية وذروة سنام العشق للمدن القديمة والحديثة، ولن يمس الإيرانيون المختبئون في دهاليزها المظلمة كالفئران حسناتها، جهنم ولظى صنعاء وحده ما ينتظره هؤلاء الغرباء الذين جاءوا خلسة، ويختبئون كجرذان الليل.

داهم صنعاء وهي في عز نضجوها القابل للتحولات والتغيرات من أجل الاستمرارية، جحافل بلا ذهنية واعية ودُمى صناعة إيرانية، وسلاح مُشترى من دم الشعب وسلاح آخر مُهربٌ من دماء الشعب الإيراني، وفي ليلة كان الإيرانيون قد حسموا تمثيلهم في دُمى تم تجهيزها في كهوف التاريخ بعقليات تستوجب وتستحسن أقدام الإيرانيين وهي تطأ صنعاء، كمرحلة من مراحل التحالفات الطائفية في منطقتنا العربية.

مع كل الحظ الذي حالف الإيرانيين في تسوير صنعاء وإغلاقها في وجه أبنائها، وفي لحظة كان التاريخ منشغلاً بالكثير من المتغيرات واليمنيين "ألين أفئدة" كانوا يمضغون الخديعة الإيرانية في تحويل صنعاء إلى جنة عرضها اليمن، ولكن الأمر كان هو أن تذهب ثمار تلك الجنة إلى طهران وصراعها من أجل التوسع والنفوذ والتغلغل، وكانت الأداة التي استخدمتها في تلك الخديعة الكبرى الطائفية والعنصرية وفلسطين المسلوبة مرتين.

لكن الشيء الذي أراده الإيرانيون هو أن تكون صنعاء بعيدة عن صنعاء اليمنيين، حضوراً في الفكر والثقافة واللغة والتاريخ، أراد الإيرانيون أن تصبح صنعاء ولاية متأسلمة يطحنها الإسلام السياسي والإمامة القاتلة، وتريد صنعاء اليمنيين أن تبقى قبلة اليمنيين بمختلف ألوانهم وثقافاتهم، تريد أن تبقى يمنية في التاريخ والحاضر والمستقبل، تريد أن تكون صنعاء هي صنعاء العروبة والمحبة لا صنعاء الإيرانيون بوجه قاتل طائفي وعنصري مقيت.

لن يدرك الإيرانيون أن صنعاء لن تكون لهم ولن تبقى أقدامهم تطأها وأن الزمن لن يغير عشقها في أفئدة الناس فيها، ولن تكون إلا منارة اليمنيين في مختلف اللحظات الفارقة في التاريخ، ولن يدرك الإيرانيون أن الناس مهما صمتت تحت تهديد السلاح والقوة فإنها لن تتخلى عن عشق صنعاء وحبها، وستأتي اللحظة الحاسمة في أن تجهر بذلك العشق من كل حارة وبيت وشارع.

والعاقبة لصنعاء وأبنائها وكل اليمنيين.